الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

Mohammad Aboaagla present a paper at the Symposium of African Unity on the incentives and the repercussions of secession at the University of Africa Internationalالأستاذ محمد الفاتح أبوعاقلة يقدم ورقة في الندوة الإفريقية حول محفزات الوحدة وتداعيات الانفصال بجامعة أفريقيا العالمية

قراءة في مآلات استفتاء ينار 2011م
19 – 20 أكتوبر 2010م
برنامج الندوة
الجلسة : : الأولى (الافتتاحية 10:00- 11:00)
الثلاثاء 19/10/2010م
القرآن الكريم : 10:00– 05 :10
كلمة لجنة إعداد الندوة 10:10 – 10:15
كلمة عميد مركز البحوث : 10:15 – 10:20
كلمة السيد نائب المدير للشؤون العلمية 10:20-10:25
كلية السيد مدير الجامعة 10:25- 10:30
كلمة السيد راعي الندوة 10:30-10:35
الفطور 10:35-11:00
الجلسة الثانية: مفاهيم عامة – الاستفتاء والمشورة الشعبية.
الزمن: الثلاثاء 19/10/2010م الساعة 11:00 – 12:15
رئيس الجلسة : بروفيسور أ.د. محمود حسن أحمد
الرقم العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى الاستفتاء ومأزومية السودان أ.د. حسن مكي محمد أحمد
الورقة الثانية التعايش الديني والاستفتاء أ.د. الطيب زين العابدين
الورقة الثالثة اتفاقية السلام الشامل وحق تقرير المصير والمشورة الشعبية إ.د. حسن سيد سليمان
المعقبون :
1- أ. ربيع حسن أحمد 2- د. أسامة زين العابدين
الجلسة الثالثة: مفاهيم عامة – الاستفتاء والمشورة الشعبية.
الزمن: الثلاثاء 19/10/2010م الساعة 12:15 – 13:15
رئيس الجلسة : البروفسيور أحمد الياس الحسين
الرقم العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى محفزات الوحدة تداعيات الانفصال أ.د. عبد الرحمن أحمد عثمان
الورقة الثانية المشورة الشعبية : الاختلافات السياسية والمآلات الإستراتيجية د. عبد الرحمن أبو خريس
الورقة الثالثة
الإطار الفلسفي لعلاقة السودان بأقاليمه بين القاعدة والاستثناء د. عمر أحمد سعيد
المعقبون :
1- السفير عثمان السيد 2- د. الأمين عبد الرازق
الجلسة الرابعة : تداعيات الاستفتاء – الوحدة والانفصال
رئيس الجلسة : الدكتور/ أحمد المفتي
الزمن: الثلاثاء 19/10/2010م الساعة 14:00- 15:15
الورقة العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى الانفصال أثره علي الأمن الإقليمي د . بدر الدين رحمة
الورقة الثانية المواقف الدولية من الاستفتاء د. أكرام محمد صالح
الورقة الثالثة دور الإعلام في الوحدة د. ياي جوستون
الورقة الرابعة الاستفتاء والأمن القومي أ. د. حسن الساعوري
الورقة الخامسة مستقبل التنمية في السودان في ظل الوحدة والانفصال د. محمد عبد القادر محمد خير
المعقبون :
1- د. إبراهيم الخضر الحسن 2- د. ربيع عبد العاطي عبيد
الجلسة الخامسة: تداعيات الاستفتاء
رئيس الجلسة : د. صفوت فانوس
الزمن: الأربعاء 20/10/2010م الساعة 09:30 – 10:30
الورقة العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى تداعيات الاستفتاء الاقتصادية في حال تقرير مصير جنوب السودان أ. الشيخ محمد المك
الورقة الثانية المواطنة والجنسية د. أميرة همت
الورقة الثالثة الوحدة الوطنية بين جدلية الثقافة والسياسيةأ.د. سيد حامد حريز
الورقة الرابعة
إشكالات الوحدة والتعددية في تاريخ الشعوب الإفريقية( وادي النيل أنموذجا) أ.د. مهدي ساتي صالح
الورقة الخامسة الوحدة بين تعزيز المقومات وتحقيق المطلوب د. علي عيسى عبد الرحيم
الورقة السادسة تجارب حق تقرير المصير في إفريقيا فايز السليك
المعقبون :
1- الشفيع محمد المكي 2- الاستاذ/ موسى الملك كور
الفطور 10:30 – 11:00
الجلسة السادسة : الاستفتاء - الجوانب الاجتماعية الثقافية
رئيس الجلسة : الدكتور/ عوض خليفة
الزمن: الأربعاء 20/10/2010م الساعة 11:00 – 12:15
الورقة العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى
موقف الثقافة والأديان في ظل الوحدة والانفصال أ.د. عبد الرحيم علي
الورقة الرابعة الآثار المترتبة علي الانفصال علي مناطق التمازج بالتركيز علي جبال النوبة د. محمد أحمد بابو نواي
الورقة الثالثة
أسرة اللغات النيلية الصحراوية باعتبارها معززاً للوحدة الوطنية في السودان . د. كمال محمد جاه الله
الورقة الرابعة
القيم السامية في أدبنا و تراثنا السوداني : تعزيز للوحدةأ.د. عبد لهادي محمد عمر تميم
الورقة الخامسة
الإعلام في جنوب السودان – تداعيات الاستفتاء أ. مالك عبد الله سعيد
أ. عبد الله كيري واني
المعقبون :
1- د. عمر مسعود 2- أ.د.مصطفي خوجلي
الجلسة السابعة: الاستفتاء - الجوانب الاجتماعية والثقافية
رئيس الجلسة : الدكتورة/ حسنات عوض ساتي
الزمن: الأربعاء 20/10/2010م الساعة 12:15– 13:15
الورقة العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى أبيي – نموذج للتعايش القبلي د. أبو القاسم قور
الورقة الثانية الفنون الشعبية ووحدة السودان د. عباس الحاج
الورقة الثالثة
جذور الوحدة والتسامح في التراث الشعبي السوداني أ. محمد الفاتح يوسف أبو عاقلة
الورقة الرابعة دور الشباب في الوحدة أ. أزهري بشير
الورقة الخامسة دور المرأة في تعزيز مبدأ قبول الآخر دعماً للوحدة أ. تهاني إبراهيم محجوب
المعقبون:
1- د. الطاهر مصطفي 2- د. عمر شاع الدين
الجلسة الثامنة: الاستفتاء وتداعياته الاقتصادية .
رئيس الجلسة : الدكتور/ حاتم عثمان محمد خير
الزمن: الأربعاء 20/10/2010م الساعة 14:00 – 15:15
الورقة العنوان مقدم الورقة
الورقة الأولى اتفاقية نيفاشا – قسمة الثروة د. يوسف خميس أبو رفاس
الورقة الثانية أثر الاستفتاء علي الموازنة العامة والسياسية النقدية د. حسن بشير
الورقة الثالثة
العملة والاستفتاء د. عبد اللطيف محمد سعيد
الورقة الرابعة عوامل القوة والضعف في وحدة السودان د. محمد أحمد عبد الغفار
الورقة الخامسة الاستفتاء والبترول د. أزهري عبد الله الحاج
المعقبون :
1- الدكتورة : هيام أحمد عبد الرحيم 2- د. محمد الجلي محمد

الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

Lecture on Technology Heritage, Symposium Ed Husainمحمد الفاتح أبو عاقلة في منتدى عد حسين الثقافي نقلاً عن جريدة الصحافة الثلاثاء 26 يناير 2010م، 11 صفر 1431هـ العدد 5960

رصد: وفاء طه
قدم منتدى عد حسين الثقافي الأستاذ محمد الفاتح أبو عاقلة في محاضرة عن التراث والتكنولوجيا، قدم الأمسية الأستاذ علي مؤمن الذي تحدث بدءاً مقدماً الأستاذ محمد الفاتح قائلاً:
محمد الفاتح شاعر جهير الصوت ومسرحي قدمت له بعض الأعمال على خشبة مسرح الجزيرة، وهو راوٍ لكثير من الأشعار بالعامية السودانية والمصرية والشعر الجاهلي.
وتوقف كثيراً عند نص لعبد الرحمن الأبنودي عن الخواجة لامبو عن ديكتاتورية فرانكو، وذلك لعمق دلالته، فقد تناول هذه الديكتاتورية وعبر عن الكبت والضغط في اسبانيا.. وله قراءات أخرى منها قصيدة امرئ القيس (تعلق قلبي) التي جعل شباب مدني كلهم في وقت من الأوقات يرددونها، وذلك لعرضه لها في كثير من الأمسيات الشعرية بود مدني، والقصيدة تضج بالموسيقى اللفظية.
وأضاف مؤمن أن محمد الفاتح عنى عناية كبيرة جداً بالشعر الشعبي، متمثلاً في الدوبيت والمسادير وأعلامهم.. واهتم بنمط من شعر الهبماتة وشعر صعاليك العرب كعروة بن الورد.. ولحد بعيد يسعى في بعض الأحيان لعقد مقارنات بين صعاليك العرب وبعض شعراء الهمباتة.. وفي هذه الأمسية سيتحدث أبو عاقلة عن التراث والتكنولوجيا:
تقدمت الورقة ببعض الأسئلة التي وصفها أبو عاقلة بالأسئلة المشروعة بين القديم والجديد في ظل الاستلاب التقني المتسارع، وفي ظل تكنولوجيا المعلومات والانفجار المعرفي الهائل الذي ينتظم الدنيا، وأصبح لا يثق في الماضي بل ينظر إليه في غضب. وواصل قائلاً: هذه الورقة حاولت خلالها تقديم أسئلة عن العلاقة بين التراث والتكنولوجيا على دالة المصطلح وعلى جدوى فهم الأشياء وسبر أغوارها في مجال المعرفة.. وأضاف أن التراث كما هو معلوم هو القديم، وهذا التراث القديم قاد احد العلماء المصريين لتصنيع قطرة للعيون لمعالجة الماء البيضاء وجلاء النظر، وذلك عندما تدبر في سورة يوسف واكتشف أن العرق الذي علق بقميص سيدنا يوسف فيه مادة في جزء من تكوينها الكيميائي إذا وضع في العين يحدث جلاءً ملفتاً للنظر.. عندما تظهر تقنية جديدة نصرخ قائلين إنها ليست بجديدة إنها راسخة في تراثنا. والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا لا نلتفت إلى هذا الأمر إلا بعد أن يكتشفه الآخرون.
وإذا قرأنا تراثنا قراءة متأنية وذكية سوف نكتشف معارف كثيرة.. ولسنا ضد التكنولوجيا ولكن كل ما سلف قراءة أو نظرة للمسائل التقنية التراثية في السودان.. وقدمت الورقة صوراً كثيرة لبعض المصنوعات السودانية الأصيلة مثل العصارة والساقية والمنسج، وغير ذلك من المصنوعات السودانية التي استخدمها الإنسان السوداني لتحقيق سعادته ورفاهيته. ودعت الورقة لإعادة النظر في العلاقة ما بين التراث والتكنولوجيا، باعتبار أن التكنولوجيا هي الاستخدام الأمثل والأذكى للعلوم في المجالات التطبيقية، وفي نواحي الحياة العملية، إذن فلنلتفت للأشياء من حولنا، فهذا هو عصر اقتحام المستقبل وعدم الاكتفاء بالحاضر، فضلاً عن عدم الانكفاء على الماضي. وقد وضعت تحت هذه الجملة (الأخيرة) خطاً أحمر لأنها هي البوابة التي يُنظر من خلالها إلى الماضي بغضب، وهذه نظرة مفسدة للأشياء لأن كثيراً من الدول اليابان، الهند، الصين وغيرها هي الدول التي بنت اقتصادها على مكوناتها المحلية، واستطاعت أن تحاور العالم بما لديها، ونحن في السودان لدينا ما ندهش به العالم، لكننا بدأنا ننظر إليه بغضب، وبأنه شيء مختلف.. هذا عصر غلبت عليه المادية والمنفعة، فللنظر في أدبنا الشعبي الذي يمجد تراثه بقول الشاعر:
أم لبنا طبيعي وصحي ما هو مفور
«ويشير فيه لحليب الإبل»
ويقول آخر وهو البزعي:
ما تقول لى ماعز لا بقر لا ضان
هنا أم رقابات الشكر وين مكانهن
لحمهن صحة لا قارد لا مصران
ذي لحم السمك ما يألِّـــم الأبدان
ويقول يوسف البنا:
يا جقلة العقيدك بكر
وفارسك ديمة في بلد العدو بتوكر
ناس بقرة وغنم انا عندي ما بتتشكر
لبنك فيه طب للماسكو مرض السكر
هذا حديث ترابلة، فمن اين لهم بهذه المعلومات، واذا قارنا ذلك بنتائج المعامل التكنولوجية نجد أن لبن الابل علاج لكثير من الامراض، فهو يقلل الاصابة بالسرطان ويمنع تصلب الشرايين، وله مادة مطهرة للجروح، وقد قدم الطالب محمد اوهاج بجامعة الجزيرة، اطروحة دكتوراة عن التداوي بالابل، وعالج حالات من مرض الاستسقاء، وكذلك للبن الابل تأثيرات مضادة للجراثيم، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو هل يصرفنا استخدام التكنولوجيا عن قديمنا واستصحاب تراثنا؟
ولسنا ضد التكنولوجيا، ولكن الى متى نقلد الآخرين؟ والى متى نظل مستهلكين لما ينتجه الغرب؟.. وفي «دومة ود حامد» يتساءل الراوى متى ستقطع الدومة؟ فيجيب ساكن القرية: لم تكن ثمة ضرورة لقطع الدومة ليست ثمة داع لازالة الضريح، الامر الذي فات عليهم ان المكان يتسع لكل هذه الأشياء، يتسع للدومة وللضريح ولمكنة الماء ومحطة الباخرة، هذا ما قاله الطيب صالح، وفي رأيي أن أدبنا السوداني فيه بؤر مشعة وخطيرة جداً، وهذا يعني ان القديم والحديث يمكن ان يتزاوجا، وهذا هو الشيء الذي يوجد الأشياء الحقيقية التي تبقى ما بقى الانسان، فلماذا لا تتصالح التكنولوجيا مع التراث؟
وأدار الحوار في الأمسية الأستاذ محمد عوض عبوش، وقبل المداخلات القيمة التي قدمها الحضور، وكانت مسار دهشة للاستاذ محمد الفاتح ابو عاقلة. وعلق مدير الجلسة بعد أن قدم الشكر لمقدم الورقة قائلاً: هذا العرض قدم مقاربات كبيرة جداً بين التكنولوجيا والتراث، ولكن لا اود ان ادلى برأيي في هذا الموضوع، ولدي آراء حوله، ولكن الفاتح كما ارى كان حذراً جداً في عرض الموضوع، ووضع الموضوع في شكل اسئلة، صحيح لا جديد بدون قديم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل القديم يصلح لهذا العصر؟ وما هى الاسباب التي ادت الى الانتقال من القديم الى الجديد؟ هذه اسئلة نضيفها لما ورد من اسئلة في الورقة.. وكما حدث انفجار صناعي حدث انفجار سكاني، فهل يمكن أن نوفي حاجات هذا الانفجار السكاني بتلك الوسائل التقليدية.

الاثنين، 18 أكتوبر 2010

إصدارة التنوير والتثقيف 4 Enlightenment and education

التّنوير والتّثقيف
4
ديسمبر 2009م
قسم التنوير والتثقيف
إدارة البحوث والتّخطيط والتّنمية
جامعة السّودان المفتوحة.
التّنوير والتّثقيف
4
جامعة السّودان المفتوحة.
ردمد: 1858-5426
للاتصال: E-mail: tanweer@ous.edu.sd
موبايل: 0912383850
تليفون: 0120840812
"القدح"
صورة الغلاف
المشرف العام
البروفسير عبد القادر محمود عبد الله
رئيس التّحرير
أ‌. محمّد الفاتح يوسف أبو عاقلة
هيئة التّحرير
د. سامية بشير دفع الله
أ. هشام الفكي
أ. أميرة عثمان عبدون
تصميم الأغلفة
أ. هشام صلاح حسين
أ. معتز هاشم عبد الرحمن
محتويات العدد
* كلمة التّحرير.
أ. محمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة. ص 4
* المدرسة الإلكترونية. ص 5
أ. خليقة البلة إسماعيل.
* أمُّ قصيدي. ص 11
شعر د. حسن أحمد الشيخ الفادني.
* حوار مع حارس البجراوية. ص 21
* دراسة: رجل بلا ملامح ص 43
علي مؤمن.
* رحلة عاصم، شعر البروفيسور عبدالله الطيب
عرض البروفيسور عبدالقادر محمود عبدالله ص 55
كلمة التحرير
كلّ عام وأنتم بخير، لا زلنا في انتظار مساهماتكم للإصدارة، اكتبوا فالكتابة فكر وإبداع ورؤى!.
مع التَّقدير
المحرر
المدرسة الإلكترونية
أ‌. خليفة البّله إسماعيل
تعد شبكة المعلومات المعروفة بالإنترنت إحدى أهم تطبيقات الحاسب الآلي، التي لعبت (ولا تزال تلعب) دوراً مهمَّاً ومؤثراً بشكل كبير في حياة المجتمعات المعاصرة، حيث إنها أحدثت طوفاناً من المعلومات في شتى المجالات الحيوية، واختصرت الزمان والمكان بشكل عظيم مكَّنها من سرعة وسهولة الوصول إلى الجمهور في كل مكان وبأسرع وقت ممكن. ونظراً لما تمتلكه شبكة الإنترنت من إمكانات هائلة فقد فكر المربُّون في الاستفادة منها في المجال التعليمي. ولما كان التعليم التقليدي غير قادر على تلبية احتياجات المتعلمين بشكل كامل ، للزيادة الهائلة في أعداد المتعلمين وقلة أعداد المعلمين المؤهلين تربويًّا ، وفي ظل ثورة الانفجار المعرفي الهائلة، وتشعُّب التعليم والقصور في مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، فقد برزت الحاجة إلى الاستعانة بالحاسب الآلي في العملية التعليمية. وذلك لمحاولة الحد من هذه السلبيات والقضاء عليها إن أمكن، حيث إن الحاسب الآلي يمتاز بالتفاعلية التي تراعي الفروق الفردية للمتعلمين.
وقد يستخدم الحاسب الآلي في التعليم الفردي ويحل محل المعلم تماماً، أو يستخدم كوسيلة مساعدة للمعلم أو كمصدر للمعلومات. ولقد أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت أن استخدام الحاسب الآلي في العملية التعليمية قد حقق نتائج إيجابية ملحوظة.
ومع انتشار شبكة الإنترنت وتطورها الهائل ، فقد تم استخدامها في العملية التعليمية من قبل التربويين الذين رأوا فيها وفرة هائلة في مصادر المعلومات ، وإمكانية تحقيق الاتصال المباشر أو غير المباشر بين الأطراف المختلفة للعملية التعليمية، عن طريق البريد الإلكتروني المكتوب أو المسموع أو المرئي. فقامت العديد من الدول باستخدام شبكة الإنترنت في التعليم، ومنها: كندا وكوريا وسنغافورة وغيرها...
إن من نتائج تجارب هذه الدول زيادة في مستوى التعاون بين المعلم والطلاب، وأصبح المعلم موجهاً ومتعلماً في الوقت نفسه، كما لوحظت مرونة للعملية التعليمية، مما نتج عنها زيادة في الحصيلة الثقافية لدى الطالب، وتنامي روح المبادرة واتساع أفق التفكير لديه. ومع هذه النتائج الإيجابية كانت هنالك نتائج سلبية، منها:ـ
1. الحاجة لتعلم كيفية التعامل مع هذه التقنية الحديثة.
2. صعوبة مواكبة التطور السريع لتقنيات الحاسوب.
3. الحواجز اللغوية.
4.عدم تقبل بعض المعلمين ورجال التعليم للتقنيات الحديثة.
وقد دفعت إيجابيات استخدام شبكة الإنترنت التربويين في السودان إلى إمكانية الاستفادة منها في المجال التعليمي في البلاد. فتبنى المسئولون في وزارة التربية والتعليم إدخال الحاسب الآلي في المقررات والمناهج الدراسية ، كما اهتمت الوزارة بتأهيل المعلمين الذين يدرِّسون الحاسب الآلي للطلاب.
وبعد ذلك بدأ التفكير في الاستفادة من الإنترنت في المجال التعليمي، ولم يكن من السهل إدخال الإنترنت مباشرة للفصول التعليمية، أو للمجتمع التعليمي السوداني عموماً، بسبب:
أ. حواجز اللغة .
ب. نوعية المواد التي تبث عبر الإنترنت.
ولذلك يمكن اقتراح فكرة مشروع المدرسة الإلكترونية التي تقوم على إيجاد موقع إلكتروني يخدم القطاع التعليمي، ويكون الموقع مرتبطاً بشبكة الإنترنت مما يسّر الوصول إليه عن طريقها أو عن طريق الاتصال المباشر بجهاز "ألمودم" modem))، وتبنى فيه المعلومات بصيغة صفحات نسيجية، وتطوع البرامج التعليمية للعمل على الإنترنت، ليتمكن العديد من المستخدمين من تنفيذ هذه البرامج. ويهدف هذا المشروع إلى توفير البرامج التعليمية داخل الفصل وخارجه، وتحقيق التواصل بين فئات القطاع التعليمي، وربط المدرسة مع الطالب خارج الدوام والعمل على نشر الثقافة الحاسوبية، والاستفادة من تجارب الآخرين.
سيحقق هذا المشروع عدة فوائد من أبرزها:ـ
1. توفير المادة للمعلم في الفصل.
2. تحقيق التوازن في توصيل المعلومات للطلاب.
3. توفير المرونة في التعلم.
4. توفير جو للحوار والمناقشة.
5. إمكانية حل مشكلات الطلاب الذين يتأخرون عن زملائهم لظروف قاهرة.
6. زيادة حصيلة الطالب العلمية.
لذا فيحق للمرء أن يقترح تمويل المشروع من الدعم الحكومي والقطاع الخاص، وضرورة توفير الأجهزة والبرامج للمدارس، وتوفير وسائل الاتصال اللازمة، وتدريب المعلمين، وضرورة توعية رجال التعليم بأهمية هذا المشروع، وأهدافه ومزاياه.

قصيدة:
أُمُّ قَصِيدِي
د. حسن أحمد الشيخ الفادني
بمناسبة رحيل خلوة الشيخ نعيم الفادني من حِلَّة الفكي إلى مقرها الجديد بقوز نعيم. والشاعر أحد أبنائها. نشأ في ربعها وارتوى من نبعها ... غفر الله له وعافاه، آميــن!!
خَلَتِ الدِّيارُ مِن الأنيسِ وأقْفَرَتْ
                               شُرُفَاتُ مَجْـدِ وانْزَوَتْ أغْصَانُهَا
وبَكَى مِن الهِجْرَانِ فِيهَا مَسْجِدٌ
                               رَحْبُ المَـدَى وتَنَهَّـدَتْ جُدْرَانُهَا
تَبْكِي جِفَانٌ عُطِّلتْ مِنْ رِفْدِها
                                 وتأخَّرَتْ عَنْ سَعْيِهَا وِلْدَانُهَا
يَا خَلْوةً سَعِدَ الزَّمانُ بمَجْدِها
                             ورَوَى العَجَائِبَ شَاهِداً سُودَانُهَا
كانَتْ علَى مَـرِّ الليالي مَوْئِلاً
                                  للدَّارِسينَ يَشُوقُهُـمْ قُرْآنُهَـا
بالبِشرِ تلْقَاهـُم وتُجْـزِلُ نائلاً
                                    للمُعْتَفِيـنَ وحَبـَّـذا أجْرَانُهَـا
وتُزِيلُ فِي الأزمَاتِ حَيْرَةَ مُقْتِرِ
                                 باتَتْ عَلَى رِفْـدٍ رَبَـا ضيفانُهَا
وإذا الحِجَا في المَرء طبَّق ليلَهُ
                               مَسٌ شَفَـاهُ مِن الجُنُونِ قُرَانُهَا
كانَتْ عَلَى مَـرِّ الليالِي زَهْرَةً
                                   رَيَّانةً سُقِيَّ الحَيَـا مَيْدانُهَـا
بِيضٌ وسُودٌ فِي رِحَابِ مَسِيدِهَا
                                   مُتَكَافئونَ يحُفُّهُم رِضُوانُهَا
أيَّامَ للقُرآنِ ظِـلٌ وافِـرٌ
                               قَدْ أسْرَجَتْ فَحْمَ الدُّجَى نِيرَانُهَا
أيامَ كانَ الفِقْهُ كأساً مُتْرَعَـاً
                              تغدو صباحاً للرَّوَى حيرانُهَـا
ومَجَالسُ التَّفْسِيرِ تَعْمُر فِي رُبَا
                           تِلكَ المَغَانِي واسْتَـوَى عِرْفَانُهَـا
ورَوَى الحَدِيثَ عَن الثِّقَاةِ مُحَقِّقٌ
                            لَبِقٌ تؤانِسُـهُ الصِّحَاحُ جمانُهَـا
وعقائـدُ التَّوحيـدِ ذُلِّلْ نَهْجُهَـا
                              للدَّارِسيـن فَأفْصَحتْ عِجْمَانُهَـا
مَخَرُوا على سُفنِ الشّروحِ بصَبْرِهِم
                            لُجَجَ المُتُونِ صَفَتْ لَهُم أدْنَانُهَـا
والسِّيـرةُ الغَـرَّاءُ حَـلَّ رسُولُهَا
                            عَرْشَ القلوبِ فَجُـدِدَتْ أزْمَانُهَـا
إنَّ الخَليـلَ وسيبويـه وأصْمُعْـاً
                           ثَمِلُوا بِما يُبْدِي الفَصِيـح لسانُهَا
وتلاوةُ القُرْآنِ تَعْبُقُ فِي الضُّحَـى
                                وتَرَنَّمَـتْ فِي لَفْظِـهِ أغْنَانُهَـا
ويَفُوحُ مِنْهَـا فِـي الَّليالـي عَنْبَرٌ
                             عَبِقٌ تَضـَوَّعَ فارْتـَوى جِيرَانُها

أيـَّامَ للتَّهذيـب نَهْــجٌ نَيـِّـرٌ
                             يَثني جماحاتِ النفوسِ فِطانُهَـا
أيـَّامَ للإصـلاحِ فيهــا مِنْبـَرٌ
                             سَاسَ الجُموعَ بحِكْمِـةٍ رُبَّانُهـا
أيَّـامَ لَيــلاتِ المَوالِـدِ حُفَّـلٍ
                                  يَرْوِي المَدِيحَ بِرَنَّةٍ سَفَّانُهَـا
أيَّـامَ أغْدُو فِي الصَّبـاحِ مُهَرْوَلاً
                              قَدْ ضَمَّنتْنِي فِي الصِّبَـا جُدْرَانُهَا
فِي فِتْيَـةٍ نَبَتتْ عَلَى خَيْـرِ الرُّبَا
                             وعن الخَنَا قَدْ أُغْمِضَتْ أجْفَانُهَا
ومواكبُ الحِيرانِ فِي رأدِ الضُّحَى
                                فِي مِهْرَجَـانٍ ضَمَّه بُسْتَانُهَــا
مَرَحـاً تُرَدِّدُ فِي الّلحُونِ عَلَى هُدَى
                                 تلكَ المَعَـاني يَسْتَبِـى رَنَّانُـهَا
ومعَ الليالي السَّاهراتِ تمايلتْ
                                 بالآي حِفْـظَاً مَا غَفَتْ أجْفَانُهَا
هي مَقْصِدُ السَّارينَ في أسْفارِهِم
                               مأوى الغَرِيبِ رِحَابُها وأمُانُها
في خمسةِ الأوقاتِ تَجْمَعُ رَهْطَها
                                    بِرَّاً ويدْعُو للصَّلاةِ أذانُهَـا
قَامتْ عَلَى تَقْوَى المَلِيكِ يُحِيطُها
                                    بجلالِـهِ ومُبَاركٌ إنْسَانُهَـا
سَارتْ عَلى نُورِ الإلهِ بعَزْمَةٍ
                              وتَعَاوَرَتْ كأسَ التُّقَى سُكَّانُها
تُمْسِي وتُصْبحِ بالكِتَابِ مَنارَةً
                             وتَزَاحَمَتْ صَوبَ السَّنَا رُكْبَانُها
تَسْعَى وتَحكمُ فِي قضايا نُدَّرٍ
                          فِي العَدْلِ مَشْهُودُ الهُدَى ميزَانُهَا
تجْلِي الظَّلامَ عَن القُلُوبِ بنَهْجِهَا
                               ويَمِيـزُ أنْضَاءَ التُّقَى فُرْقَانُهَـا
وإذا المَعَالي فِي الشُّمُوخِ تَطَاولَتْ
                              طَارَتْ إلى شُمِّ الذُّرَى عُقبَانُهَا
رَبِحَ الأولَى شَادوا قَوائِمَ مَجْدِهِا
                                لَمْ يُعيّهِـم رِفْـدٌ ولا عِمْرانُهَا
صَحِبُوا لَيالِي الذِّكْرِ غَرْثَى نُحَّلاً
                             زَمْنَى القوافلِ شَفَّهُم وخْدَانٌهَا
    يا إخْوتِي مِنْ فَيضِ دارِ أولي التُّقى
                              أزْجِي لكمْ كأساً رَوَتْهُ لِبَانُهَا
أوصِيكُمُ بالبَّذلِ في تَشْييـــدِهَا
                                  فِي النائباتِ يُظِلُّكُمْ قُرْآنُهَا
أوصيكُمُ بالبِرِّ فِي تَعْمِيـــرِهَا
                               رغم الحسودِ فتنجلي أحزانُهَا
أوصِيكُمُ أنْ تَرْفَعُوا مِنْ شَأنِهَا
                               فَوقَ الذُّرَى تَسْمُو بِكُم أقْنَانُهَا
تَمْشُونَ فِي إثْرِ الجدودِ بهِمَّةٍ
                                 فادنيةٍ أعْيَى النّسورَ مَكَانُهَا
إنِّي علَى العَهْدِ القَدِيمِ لخَلْوَتِي
                               عَبْرَ الزَّمانِ مُفَـوّهٌ سَحْبَانُها
وهَواي مُنْقَــادُ بلَحْنِ حُدَاتِها
                                تَرْوِي صَدَاي بِدَافِقٍ غِدرانُهَا
ويَمُورُ بالعَسَلِ المُصَفَّى جَدولٌ
                               مِنْ لَحْنِها يَشْـدُو بِه فنَّانُهَـا
هَذي مَقَالةُ هائمٍ فِي حُبِّهـــا
                             يُزْجِي القَوافِي أُحْكِمتْ أوْزانُها
تشتارُ نَفْحَـاً مِن عَبِيرِ عُطُورِها
                            جَادتْ بِه فِي الخَافِقين جنانُهَا
وتَخِفُّ عَجْلَى بالفضائل نُصَّعـاً
                             تَطْوِي مَفَازِاتِ الـدُّهُورِ بِنَانُهَا
نَشْوَى تَرَاقصُ فِي قَشِيبِ ثِيابِهَا
                        يَجْرِي عَلى أرْضِ العَقِيقِ حِصَانُهَا
تَسقِي الحَواضِرَ سَلْسَلاً مِنْ نَبْعِهَا
                       مِنْ بَحْرِها الطَّامِي ارْتَوَت بُدْوانُهَا
إنَّ كانتِ الأمْـدَاحُ تُدرِكُ مَا مَضَى
                          منْ مَجْدِهَا، فأنَا الفَتَى حَسَّانُهَـا
قُلْ للخَلِيفِةِ وأحْمَدَيْـهِ وعُمْــدَةٍ
                             رَحَلَتْ ولكنْ لَمْ تَمُتْ نِيرَانُـهَا
رَحَلَتْ عَن الرَّبْعِ القَدِيمِ وفَيَّأتْ
                                ظِلاً وعَرَّسْ بالتُّقَى بُنْيَانُـهَا
تهْفُو إلى مَجْدٍ تأصَّلَ فِي الوَرَى
                         مِنْ عَهْدِ " فَادْنِي" هَزَّنِي تَحْنَانُها
فلْتَهْنَأوا فِي ظِلِّ فِرْدَوسِ الرِّضَا
                               مِنْ بَعْدِكُم حَمَلَ اللوا فِتْيَانُهَا
***
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلام على النَّبي المصطفى وعلى آله وصحبه أهل الوفاء والصفا. تمَّت بحمد الله في ليلة 5 جمادي الآخرة 1416هـ، التي توافق التاسع والعشرين من شهر أكتوبر 1995م ، شندي.
***
المحرر في ضيافة حارس البجراوية
حوار مع حارس البجراوية

(مصطفى أحمد مصطفى كرادم)
قام قسم التّنوير والتّثقيف بزيارة توثيقية تنويرية إلى ولاية نهر النّيل، ضمن بعثة ضمّت البروفسير عبدالقادر محمود عبدالله مستشار مدير الجامعة للتخطيط والتّنمية بجامعة السّودان المفتوحة، والدكتورة سامية بشير دفع الله، مديرة إدارة البحوث والتخطيط والتنمية، والأستاذ محمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة، رئيس قسم التّنوير والتّثقيف.
ومن ضمن فعاليات هذه الزّيارة ، أجْريت مقابلة إذاعية مع حارس البجراوية، مصطفى أحمد مصطفى كرادم، عرفانـًا بالدّور الحيوي الذي يقوم به هذا الحارس، في مناحي توجيه زوّار البجراوية، وإرشادهم.
وجاء الحوار الذي أجراه معه أ. محمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة، كالآتي:
محمد الفاتح: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، مصطفى أحمد مصطفى كرادم، الميلاد والنّشأة .
مصطفى: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، شرق كبوشية سنة 1958م.
محمّد الفاتح: أين بالتحديد؟
مصطفى: حتّة بقولوا عليها "كوع السّريحة" ، ده محل الميلاد.
محمّد الفاتح: أين هي؟
مصطفى: تبعد من هذا المكان ( البجراوية) 40 كلم.
محمّد الفاتح: هذا التسجيل يتم بالأهرامات الملكية الجنوبية، وتقابلنا الأهرامات الشّمالية. متى كان تاريخ التحاقك بالآثار؟
مصطفى: تاريخ الالتحاق بالآثار سنة 1976م .اشتغلت في التنقيب مع مستر شيني في المدينة الملكية، وفي سنة 1977م مع فرنسيس ( يقصد فرنسيس غوس)، في الكدّادة بين التّراجمة وشندي، وفي نفس 1977م بديت مع مستر هِنكل في التّرميم كطلبة مع البنايين، والنّاس المرممين، اشتغلت معاه 77 و 78 و 80 لحد 1984م.
محمّد الفاتح: ماهو دور الطُّلبة؟
مصطفى: الدّور البنقوم بيه طبعاً مستر هينكل، جايب معاه تايم ( يقصد تيم team) بتاع البنايين، الورشة بتاعة المتحف القومي للآثار والتّرميم بلتحق مع الغرف الجنائزية الأمام الهرم. الحجارة الساقطة منها نحن بنقوم بتكشيفها وتلقيطها ونقوم بدور النّظافة بتاعتها، وهو بقوم بأرقامها وبعد داك بحدد لينا المكان النختو فيها، ونحن نختو بالرّقم، حتى عرفنا يعني الأرقام، تاني بقينا نخت، يعني يرقّم لينا ونحن نخت، وهو طبعـًا بروفسير في الشّغلة دي.
محمّد الفاتح: هذه الأهرامات لمملكة مروي القديمة تحمل أرقامـًا، ماذا تعرف عن هذه الأرقام، لو قلنا الرّقم (1).
مصطفى: أماني تيري.
محمّد الفاتح: ملامح هذا الهرم شنو؟
مصطفى: والله ملامح هذا الهرم هو أمامو مقصورة جنائزية لكن هرم مركّب، مدرّج مركّب، يختلف من الأهرامات التّانية.
محمّد الفاتح: والهرم الثّاني؟
مصطفى: الهرم التّاني القريب منّو ، البعدو طوّالي، "أريكان خريري"، الزّاوية المربّعة والبعدو ستيبس (steps) الزاوية المدرجة.
محمّد الفاتح: يعني الهرم الثّاني يختلف عن الهرم الأول، في زاوية الهرم هناك برواز... طيّب الهرم الثّالث؟
مصطفى: الثّالث مدرّج برضو، وهو مجهول، وكذلك الرّابع أمّا الخامس، "أريكان خريري".
محمّد الفاتح: والسّادس؟
مصطفى: أماني شخيتو.
محمّد الفاتح: هي من الملكات، بتعرف عنها شنو؟ كدي حدّثنا.؟.
مصطفى: والله "أماني شخيتو" دي بقولوا الملكة الكنداكة، وبقولوا خاضت حروب، وفي أمام الهرم بتلقى رسمتها واضحة، ماسكة أسرى، وماسكة صولجان بتاع ملك، بقولوا هي خاضت معارك.
محمّد الفاتح: الهرم السّابع.
مصطفى: الهرم السّابع أرقماني.
محمّد الفاتح: بتعرف عنّو شنو؟
مصطفى: "أرقماني" ده طبعـًا خاض ثورة وبقولوا اعترض وثار على الكهنة.
محمّد الفاتح: تذكر تواريخ؟
مصطفى: تاريخ انتقال المملكة؟ بقولوا من بداية القرن الرّابع ق.م والخامس ق.م.
محمّد الفاتح: أسرة مصطفى كرادم عندها علاقة بالآثار؟
مصطفى: أيوه كان حامد مصطفى كرادم عمّي طوّالي. محمّد الفاتح: نمش للهرم الثّامن.
مصطفى: هو رقم تمانية مجهول ماعندو اسم، وليهو علاقة بالآثار خاصة "مستر هِنكل"، مدّيهو قيمة خاصّة، في الجانب الشّمالي من الغرفة الجنائزية، وجد الخريطة البشتغل بيها الشّادوف، حتّى لمن يجي يشرح للنّاس، بقول أنا وجدت المهندس المن قبلي طبّق لي الخريطة التي رفعتبا الشادوف واشتغلت بيها في الأهرامات. محمّد الفاتح: الهرم التّاسع؟
مصطفى: التّاسع ده مابعرف عنّو حاجة ، هو مدرّج، لكن ما بعرف عنّو حاجة.
محمّد الفاتح: العاشر؟
مصطفى: العاشر برضو ما بعرف عنّو حاجة.
محمّد الفاتح: الحادي عشر؟ هرم ومقصورة
مصطفى: الحداشر شنك دخيتو... نمرة حداشر ده بتميّز بمقصورتين جنائزيتين مميزات. والمقصورة أمامها حورس وهو إلاله الرّأس الصّقر ومعاهو أنوبيس.
محمّد الفاتح: أدّينا وصف لحورس؟
مصطفى: الإله الصّقر ده طبعاً الإله حورس تلقى راسو صقر شامخ خرطوش غير واضح وفي اليد تلقى العَنْخ. محمّد الفاتح: نمشي لى إتناشر.
مصطفى: اتناشر وتلتاشر ديل مدّنهن أرقام لكن الخرطوش لم يتوجد فيهو كتابة تحل لهذا الملك منو، لكن ملوك عظام وأهرامات شامخة ، والرّسومات محافظة أكتر من الأهرامات التّانية.
محمّد الفاتح: دي كلّها في الأهرامات الشّمالية؟.
مصطفى: كلّها في الشّمالية.
محمّد الفاتح: ستّاشر وسبعتاشر؟
مصطفى: في تسعتاشر أنا عارف اسمو(يقصد اسم شاغله) وأول ما رممو مستر "هِنكل" بعد 1927م.
محمّد الفاتح: بالحجر الأبيض؟
مصطفى: (يشير إلى صاحب الهرم) اسمو "تِرْكي ناوال"، وهو بختلف مبني البنيان المسطّح المليس، مافيهو مدرّج مافيهو كورنر، مافيهو مربّع ياهو داك هو قدّامنا ونحن شايفنو.
بعض الأهرامات التانية، الأهرامات زي ما قلنا قبيل نحن أوصفناها مناهجه قلنا مدرّج قلنا زاوية مربّعة قلنا مليس الهو أملس يعني، في النّهاية في إهرامات اتبنت في الهضبة المنخفضة وإهرامات اتبنت بالحجر تِرْكِي نَاوال النّوبي المحلي في المنطقة والطّوب سألنا منها قالوا دي الفترة المتأخرّة ، واتلاشت مروي يعني.
محمّد الفاتح: منم حرّاس الآثار في المناطق التّانية؟.
مصطفى: معاوية عثمان العوض البشير.
محمّد الفاتح: ده وين؟
مصطفى: ده في المدينة الملكية. طبعا ديل قام من سنة 1907 و1908 جدو، طبعا كان العوض البشير بشرف على الآثار في المدينة الملكية. والأهرامات الغربية ومعبد الشّمس والأهرامات الجنوبية والشّمالية، فبعد الستينات انتقل للأهرامات الغربية بعد 77. بلّه حميّدة علي وهو هسّي رجل كبير وحارس، وقبل حامد الذكرتو ليك قبيل كان في بقيعاوي صالح بقيعاوي وسنة 77 اشتغل حامد مصطفى كرادم لحد كان فترتو إنتهت. أخد المعاش. اشتغلت بعدو أنا طوّالي من سنة 95 دهـ شغل طبعا كان رسمي لكن بدري الآثار عندي بيو علاقة في الإجازة أنا بكون شغّال في موسم مستر هنكل أنا بكون شغّال. يعني ملم بالآثار طوّالي. لحد الآن شغل رسمي.
محمّد الفاتح: تعامل المواطنين هنا مع الآثار وإنتو بتوجهوهم، شنو الدّور المطلوب من المواطن ويتعامل مع الآثار كيفن؟. عندكم ناحية ارشادية؟
مصطفى: ناس المنطقة دي طبعاً عارفين الآثار وحتّى كمان الآثار جاذبة السواح وجاذبة النّاس حتّى بستفيدو منّو يعني. زي ما انت شايف هسّع، دورم في الآثار إن شافو زول بخرّب وإن شافو زول طلع ، ما بقبلوا في الآثار حاجة طبعاً لأنو ده تاريخ يتوارثو الأجيال طبعاً، الآثار مهمتو المحافظة، والأثر هو الأثر، يعني أي حاجة في محلها المفروض ما تتحرّك من محلّها والمفروض تاخد قيمتها. عندنا هنا بنرشد الطلاب في المدارس وكل النّاس ، الذكرى تنفع قلوب المؤمنين، ما يطلع الزّول على حجر، ما يكتب تذكار أو اسمو، أو يلقى تذكار قديم على حجر، ما يطلع في قمة الهرم، يحترم الآثار ويسأل وبعدين يستفيد إن شاء الله.
محمّد الفاتح: يا مصطفى إنت عندك دراية ببعض الرّموز الموجودة على الأهرامات دي، يعني بتقول أل صن دسك، تعني قرص الشّمس، المصطلحات دي والإنجليزية إنت أخدتها من ..
مصطفى: من العلماء وحتى العلماء المرشدين، نحن طبعاً بجونا هنا زوّار، وبجي معاهم مرشد أو من ناس الآثار ناس المتحف، أي زول بناخد منّو معلومة شويّة، نسمعو قال شنو ونسألوا.
محمّد الفاتح: طبعاً اكتسبت معرفة عالية.
مصطفى: والله المجال هو طبعاً طوّل وعلى حسب الممارسة والزّول بيسأل وبيعرف.
محمّد الفاتح: شايف بعض الجمالة، ديل لترحيل النّاس؟.
مصطفى: أيوه ديل بركّبوا الناس، ودي معلومة بدت من بعد 99 ولحد2000 والزّوار بمشوا متكاثرين، وفي شركة إيطالية هنا عندها إعلام يعني ناسه كتيرة، هم البركّبو من عند الفندق يجيبو هنا ويركبوا من هنا يدخّلوا، والجمال بقت برضو يعنى ليها سيرة.
محمّد الفاتح: هناك واحد من الأهرام نزل، واختفى يعني ده نمرة كم؟.
مصطفى: ده نمرة عشرة.
محمّد الفاتح: سبعتاشر تمنتاشر تسعتاشر الشماليات ديلك لحد كم؟
مصطفى: الشّماليات ديل كلّها مجموعته؟.
محمّد الفاتح: الموجودة الآن.
مصطفى: الموجودة الآن لحد واحد وعشرين.
محمّد الفاتح: طيّب عشرين واحد وعشرين ديل ياتم؟
مصطفى: عشرين واحد وعشرين والله ماني عارفه، في اسم بقولوا أماني ريناس، لكن ما معروف. في إتنين وعشرين في الشّمالية ده "نِتِك أماني"، هو ملك مهم وزوج أماني تيري.
محمّد الفاتح: لمن نجي للجنوبية هنا في أركا كاماني.
مصطفى: أيوه أركا كاماني نمرة ستّة طبعـًا.
محمّد الفاتح: الجنوبية فيها كم من الأهرامات؟
مصطفى: مدنها عدد عدد كبير.
محمّد الفاتح: كم يعني؟
مصطفى: مدنّها زي تمانين.
محمّد الفاتح: لكن الموجودة وشاخصة كم؟
مصطفى: زي عشرة.
محمّد الفاتح: كدي ممكن تسمّي لينا منها؟
مصطفى: والله عارف زي تلاتة، الأهرامات الجنوبية.
محمّد الفاتح: قولن. قول التلاتة البتعرفن.
مصطفى: أركاكاماني، رقم ستّة، وأماني سلو خمسة، وبَرْتَاريا رقم عشرة.
محمّد الفاتح: في اختلاف بين أهرامات الجنوبية والشّمالية؟
مصطفى: اختلافن، الأهرامات الجنوبية مافيهن الزاوية الكرنيش المربّع، والأهرامات المصطبية أكثر من الأهرامات الظّاهرة. المصاطب المحسوبة كتيرة على قمّة التّلّة، والدّفن بدأ هنا حتّى انتقل في الشّمالية.
محمّد الفاتح: يعني الجنوبية أسبق من الشّمالية.
مصطفى: أسبق من الشّمالية.
محمّد الفاتح: أنا بلاحظ إنو ظاهرة تحرّك الرّمال
وزّحفها على الأهرامات تعليقك شنو على الظاهرة دي؟
مصطفى: والله الظاهرة دي أصلها كانت بسيطة، بدت من 84 اتقطعت الأشجار من الوادي ده الوادي الشّمالنا ده ( شمال الأهرامات الجنوبية) اسمو وادي الطّرابيل، والطرابيل دي بقصدوبو طبعاً ناسنا الأهرامات، حتّى مستر هنكل في سنة 81 ـ 82 بدا متحف كبير المتحف ده صممو على بيت الكاهن الفي معبد الشّمس. بي نفس المقاسات وجا عملوا هنا سنة 83، وبدا فيهو لحد ما انقسم النّص، جا في الوسط، وتاني مستر هنكل بقى مرّة يجي ومرّة ما يجي، والبنيان ده وقف.
محمّد الفاتح: من العلماء الكانت ليك علاقة بيهم، ده هينكل وذكرت شيني.
مصطفى: شيني ده طبعـًا دورو التّنقيب.
محمّد الفاتح: كيف كان تعاملو؟
مصطفى: شيني ده طبعاً التّنقيب، وكان معانا دكتور خضر عبدالكريم، وكان معانا فيصل الله يرحمو ! فيصل الشّيخ، ومعانا باشّا محمّد حسن، ديل طبعاً النّاس ديل البرّه برّه، واللي توفي الله يرحمو ، شيني ده بيبدا الحفرية بيربّع الحفرية بالمتر بقيسه تمام ، بشتغل السّطحة الأولى بشيلو برّة ، وبعد خمسة وعشرين سنت بعد داك ببدا الحفر الرّسمي، نوجد الفخار في قفف وليهو ميزة وليهو سرك، القفة يعني ليها سرك، الحفرة منمّرة، نمرو كم وكده وكده. لحد ما ينتقل هناك بنغسّل الفخار، وكلو ليهو مربّعة معروفة، وقدر ما نمشي خمسة وعشرين سنت أو الأرض تغيير لونه هو بيعمل سرك للون الأرض وقدر ما نلقى قطعة بتاعة خشب موجودة جوّه أو حاجة زي دي، يقوم يسجله ويعمله في كيس ويحدد مسألتها، لحد الحفرية ما تنتهي وتصل نجيضة.
محمّد الفاتح: دايماً الدّفن بكون وين بالنّسبة للهرم.
مصطفى: في الوسط طبعا أمام الغرفة الجنائزية المعبد وهو مقبّل على الشّرق والسلّم بجي نازل طوّالي على المعبد لحد ما ينتقل قريب باب المعبد بي الجهة الشّرقية كلّها متجهة شرق. وسؤالاتنا نحن كتيرة والسّؤالات بتختلف، نقول هذا الهرم مايل يمين مايل شمال، بعض العلماء قالو يقصدوبو الشّمس يقصدوبو مدارات الشّمس أو نجوم معيّنة، تلقى الهرم لافي يمين شوّية، شمال شوية جنوب شوّية، وفي هرم هنا نمرة 22 الليهو الملك نتك أماني بتغيّر من الأهرامات ماخد الجنوب الشّرقي شديد.
محمّد الفاتح: مصطفى أحمد، القبيلة شنو؟ من ياتو قبيلة؟. مصطفى: حسّانيّة.
محمّد الفاتح: ياتو فرع من الحسّانية؟
مصطفى: فرع بقولو على مزازيح.
محمّد الفاتح: المزازيح. طيب الحالة الاجتماعية متزوج وعندك أسرة؟.
مصطفى: آآي الحمدلله!.
محمّد الفاتح: عندك كم من الأطفال؟
مصطفى: تسعة.
محمّد الفاتح: ما شاء الله، مصطفى أحمد مصطفى كرادم الأهرامات الجنوبية والشّمالية من الحجر الرّملي (Sand Stone)، بتتآكل بفعل عوامل التعرية ومن الداخل في حشوة مفككة، ما طوب يعني.
مصطفى:الأهرامات طبعاً اتعرضت لى تكسير وتخريب، في سنة، بقولوا في سنة واحد ألف وتمنماية سبعة وتلاتين 1837 في التركية الزّمن داك الحكومة التّركيّة، ودكتور طبيب اسمو فرليني وهو مشى مع الدِّيش التركي المصري وجا غاشي الأهرامات طلب الأهرامات وبدا بانهياره من فوق، طبعاً بقصد الثّروة.
محمّد الفاتح: أيوا .... بَدو يفتشو يعني؟
مصطفى: بَدو يفتّشو.
محمّد الفاتح: يفتّشو يعني بحثاً عن الثّروات المدفونة مع الملوك ومع الملكات.
مصطفى: هرم الملكة أماني شخيتو وهو نمرة ستة، كلّو اتعرّض للسرقة!. بعض الأهرامات المكسورة هسي الكسر نحن بنشوفو انهيار كبير، نحن في وجودنا لمن تجي الأمطار السّالبة، تكون أمطار كتيرة وسالبة، بتنزّل من الحجر النّاعم وبقوم الحجر الكبير يقع وبكون ما قاعد كويس، يعني بعد زمن كل مرّة بتتساقط الأحجار.
محمّد الفاتح: يعني المنطقة دي ما منطقة أمطار كتيرة.
مصطفى: أمطاره ما كتيرة.
محمّد الفاتح: لكن بتصادف أحيانـًا تجي !
مصطفى: أحيانـًا تجي بتزيد، في هوا قوي. إنت قبيل سألت من التّلّة بتاعة الرّمال. التّلّة بتاعة الرّمال بتتحرك. تتحرّك الفصول بتاعة السّنة.
محمّد الفاتح: يعني الرّمال بنلقاها بالجهة الجنوبية متين؟ وبالشمالية متين؟
مصطفى: مثلاً من بداية شهر خمسة لا عند خمستاشر ستة لا عند ستّة كلّو الهبوب والهوا جنوبي والرّملة بتبدا متحرّكة للجهة الشّمالية. بداية شهر واحد وشهر اتنين والفصول لحد شهر تلاتة وأربعة تتحرّك جنوب.
محمّد الفاتح: الآن هي في الجهة الجنوبية.
مصطفى: آآي في الجهة الجنوبية. وإن جات من شرق وخشّت جوّه الغرف بتاعة الأهرامات تغطّي وتحافظ على الأثر جوّه داخل وإن مشت برّه سالبة. إنت شفتها قبيل في الحافات بتاعة الأهرامات سالبة يعني.
محمّد الفاتح: مصطفى ، اسم الوظيفة شنو؟
مصطفى: غفير.
محمّد الفاتح: حارس يعني، حارس لى شنو؟ مصطفى:حارس للأهرامات.
محمّد الفاتح: الشمالية والجنوبية، كلهن تحت حراستك؟
مصطفى: آآي إن شاء الله.
محمّد الفاتح: دورك بالنّهار ولاّ بالليل، بالليل في إشراف برضو؟
مصطفى: أنا دوري طبعاً بالنّهار. لكن بالنهار ما ماخد زمن زي عمال الحكومة البيطلعو تلاتة أو يطلعوا أربعة ، طبعاً ده شغل عظيم بتوارثو الأجيال.
محمّد الفاتح: الفترة المسائية في إشراف؟
مصطفى: الفترة المسائية. أنا بقعد أنا لحد صلاة المغرب.
محمّد الفاتح: وبعد داك؟
مصطفى: بعد داك أنا ما عندي حراسة، لكن في شرطة الآثار والسياحة ليها مدّة 3 سنوات موجودة معانا هنا.
محمّد الفاتح: نحن نتمنى إنّو هذه المناطق تتوصّل وتتصل بطريق معبّد، وتتوفّر ليها إضاءة ليلية، وهذه المنطقة منطقة قيّمة في تاريخ السّودان، نتمنى إنّها تجد العناية المثلى من أهل الآثار، ومن الدّولة عمومـًا إن شاء الله ، شكراً ليك يا مصطفى أحمد مصطفى كرادم حارس البجراوية في محلية وين؟
مصطفى: محلّية كبوشية وريفي شندي.
محمّد الفاتح: شكراً جزيلاً وبارك الله فيك!.
تعليق دكتورة سامية بشير دفع الله/ مديرة إدارة البحوث والتخطيط والتنمية، بجامعة السّودان المفتوحة، على تفاصيل الحوار مع مصطفى أحمد مصطفى كرادم، حارس البجراوية.
( رجل بسيط ، لكنّه استطاع أن يمتلك معلومات عن الآثار التي يقوم بحراستها ، لا توجد إلا عند المتخصصين في هذا المجال، معلومات مثل أرقام الأهرامات كما حددها "رايزنر" وأسماء المدفونين فيها من الملوك والملكات والأمراء، متى ما توفّرت المعلومة، بل ويعرف تفاصيل عن هندستها: أملس، مدرّج ، مبروز....الخ. ومعلومات أخرى. والمدهش حقـًا أنّ كل ما ذكره صحيح.. لم يخطئ أبداً. وعندما يقول لا أعرف!، يكون ذلك بسبب غياب المعلومة عمومـًا. إنّه يستحق الإشادة والتّكريم.).
***
رجل بلا ملامح
حوار مَع النَّص
معالجة نقدية لقصة قصيرة لعيسى الحلو..
بقلم علي مؤمن

القاص المبدع عيسى الحلو ظل لما يزيد على ربع قرن من الزمان يمارس الفعل الثقافي والإبداعي، وطوال هذه الفترة، قدَّم ولا يزال، العديد من الأعمال القصصية إضافة لبعض الأعمال الروائية. ترافق هذا المنتج وترادف مع بعض المساهمات المبتسـرة في حقل النقد الأدبي. وبهذه المثابة والإسهام المتصل نرى أنه يحق لنا تصنيف الأستاذ الحلو ضمن رواد الفن القصصي والروائي في البلاد – أو على الأقل – ضمن الجيل الثاني لرواد القصة والرواية الذي نورد من رموزه البارزة:- معاوية محمد نور، عثمان علي نور، الطيِّب صالح، أبوبكر خالد، الزبير علي، خوجلي شكر الله، خليل علي الحاج، وإبراهيم إسحاق وغيرهم.
وقد عمل الأستاذ، عيسى الحلو بالمجال الثقافي لسنوات طوال ذلك عبر المنابر الثقافية والإبداعية، والفكرية الآتية:- ملحق الآداب والفنون بصحيفة الأيام، مجلة الخرطوم، صحيفة الصحافة -الملحق الثقافي- إضافة لذلك فهو يضطلع الآن بأعباء المشرف الثقافي لصحيفة الرأي العام الغراء.
رجل بلا ملامح
بعدد الثلاثاء المتميز الصادر في الثالث عشر من شهر سبتمبر للعام الثاني بعد الألفين نطالع للأستاذ عيسى الحلو قصة قصيرة تحت عنوان: "رجل بلا ملامح". في السطور القادمات سنحاول جاهدين التوقف لدى هذا النص الإبداعي عبر الرصد والمناقشة، والتقييم - ما أمكن ذلك- ومن بعد إيراد ما توصلنا إليه من رؤى تجاه هذا النص الزاخر والمحتشد. نشير إلى أنّ وقفتنا هذه حتمتها جملة أشياء ضمنها وربما أهمها إحساسنا المتعاظم بأنَّ هذا النص قد اشتمل على الجديد المتكئ والمستند على شيء من التجريب في عدة مستـويات ربما جاء في ذروة أهميتها " الشكل والمضمون". وبذا أحسب أنه يحق لنا إدراج هذا العمل ضمن ما يسمى بالتيار الحداثوي - إذا صح التعبير- وهو التيار الذي يسعى على الدوام للطرق على أبواب الجديد المبتكر في مضمار الأعمال الإبداعية كافة، بالذات على مستوى الشكل والمضمون، يتواتر ذلك من خلال محاولات جادة ودءوبة يسعى المبدعون عبرها - وضمنهم عيسى الحلو- إلى بث المزيد من الحيوية والبريق في عموم الأجناس الإبداعية:- شعر، قصة، رواية، مسرح، موسيقى، وتشكيل....الخ.. الأمر الذي يكسب الإبداع بل ويضفي عليه المزيد من التفاعل الحيوي والإيجابي، إضافة لإشراكه للمتلقي في العملية الإبداعية بشكل كبير وفاعل يحترم عقله وفكره ويسهم مِنْ ثم في تغذية ذائقته وإرهافها عبر التواصل الخلاق.
غني عن القول إنَّ ما تعرضنا له من حديث وما سقناه من معانٍ تسعى- بقدر الإمكان- لأن تصب في خانة تقوية وتمتين الأواصر ما بين المبدع والمتلقي الذي نرى من الطبيعي والبدهي أن يمتد ويتصل تواصله وتفاعله مع النتاج الإبداعي لمدى زماني، وجداني، وفكري أكثر اتساعاً ورحابة.
بالتالي يمكن الزعم إنَّ الابتداع الذي يشمل بين فضاءاته وعوالمه الداخلية على هذه الرؤى أو بعض هذه المعاني والمفاهيم سوف تتوفر له القدرة- كما نرى- للإسهام بصورة أكثر إيجابية وبشكل أشمل وأعم.

حالة ما
تبدأ قصة رجل بلا ملامح بسردِ بضمير المتكلم يرد على لسان الشخصية المحورية بالنص، وهو سرد أشبه لحدِّ بعيد بالتداعي "النفساني/الوجداني"، ومن ثم يطَّرد هذا السرد ويتصاعد بشكل تلقائي وعفوي، دونما تكلف أو تزيّد أو اقتحام غير مبرر فنيًّا، الأمر الذي يجعلنا نلمح بين تضاعيف السطور- ونحس في ذات الآن- بقدر كبير من الصدق الفني والشعوري. وهذا مما يدفعنا للقول الآتي:- إنَّ ما عبرنا عنه من رؤى (بصورة مبتسرة) في سياق حديثنا بالسطور السابقات نرى أنها تماهت وتناغمت مع جوهر ما ورد بالمكتوب السَّطري موضوع تناولنا عبر تواتر المواقف وسير الأحداث وتتابعها من خلال تسليط الأضواء وتكثيفها على الراوي، الأمر الذي جعل منه مرتكزاً أساسيًّا لعملية السَّرد. وقد برع الأستاذ الحلو أيما براعة في رسم شخصية الرَّاوي، وبرع في ذات الآن في عكس الصُّورة المهتزة وربما غير السويَّة بعد أن اعتورتها حالة ما، جعلت منها شخصية مختلفة ومغايرة عما كانت عليه في سابق الأيام وماضيها. إن الحالة التي صورها القاص، والتي نحن الآن بصددها، ربما تكون حالة اهتزاز نفساني، أو فصام، أو ذهول، أو...أو... الخ:-
" لقد شملني الارتباك لدخولي في الزمن المعجزة، ومن ثم انفصم وعيي إلى وعيين كما لو كنت أنا فتاتين لا فتاة واحدة: فتاة هنا تجلس على قمة ماضيها.. هي في سنواتها العشر الأولى.. وفتاة هنا تزدهر الآن بعمرها العشرين.. وكلٌّ من الفتاتين تنظر للأخرى في تحرش ... كلٌّ تحاول أن تستلب الأخرى وتجعلها مندغمة فيها... هو نزاع بين زمان مضى وحاضرٍ آتٍ" (إ هـ) عموماً أرى من جانبي أنّ القاص عيسى الحلو قد وفِّق تماماً في جعل السرد أشبه ما يكون بالمرآة العاكسة للعوالم الداخلية لهذه الفتاة، إذ نجده يعرض على المتلقي منذ الوهلة الأولى حالة البلبلة وعدم التوافق بين الرَّاوي والعالم المحيط به الأمر الذي جعله - أي الراوي- يسعى للانفلات مِنْ الحالة التي وجد نفسه عليها. لكن السؤال الجوهري يظل متمحوراً في الآتي:-
كيف له _أي الرَّاوي_ الفكاك من هذه الحالة التي اعتورته وتمكنت منه تماماً؟.
أبعاد ودلالات
من الأشياء اللافتة للنظر تلك القدرة الإبداعية العالية والفائقة لكاتب النَّص والتي جعلته يضع قارئه أمام هذا الوضع المأزوم للراوي من خلال عملية سردية غير متكلفة ألبته. هذا مما جعل الأمر يبدو وكأن القوانين الدخيلة للنص هي المحرك الرئيس والأساسي للأحداث والأفعال وليس شيئاً آخر خارج إطار هذه القوانين. وهذا مما يجعل من الصعب على القاص أن يتدخل ويسير بعملية القص أي مسار آخر مغاير لمسارها الطبيعي الذي فرضته أجواء النص. لذا انصاع القاص لهذا التدفق والانسياب التلقائي. وهنا نطرح تساؤلاً مهماً للغاية فحواه الآتي:-
هل لازم هذا النهجُّ القاصَّ حتى نهاية السرد أم أنه حاد عن ذلك؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في سطور قادمات بإذن الله تعالى.
"رجعت تماسكت وقاومت السقوط، وجلست على مقعدي.. لقد شملتني الفردانية.. فحرارة الجو هي أكثر أو أقل .. والضوء أكثر إشراقاً أو أكثر إعتاماً، ولست أدري هل أنا أتراجع نحو الماضي أم أقفز في الراهن والآتي؛ لقد أصبحت فتاة أخرى لا تعرف نفسها كما أني لا أعرف الذين حولي ولهذا فقدت البوصلة التي تدلني على ذاتي "إ هـ".
في غمرة هذا التيه وهذا الضياع تتابع الأحداث وتترى متسارعة ومتداخلة ومتشابكة وتترتب على ذلك جملة ردود أفعال تساهم فيها "علوًّا وهبوطاً" أدوات عدة متنافرة ومنسجمة تسعى جميعها للوصول بنا للحدث الأساسي والمحوري بالنص، ومِنْ تلك الأدوات نشير هنا لأسطوانة ال "C.D" الممغنطة والمدمجة بموسيقاها وعزيفها المطَّرد بكل ما يوحيه هذا العزيف من دلالات وأبعاد ذات ارتباط عميق بصلب النص القصصي، إضافة لشخصية المدير بكل ما تعنيه وتمثله ثم الأم، ثم العريس والصديقات، ثم التداخل الذي كاد أن يصل لدرجة الذوبان بين الشخصية المحورية وأخرى متوهمة أو هلامية، ودلالات ذلك وانعكاساته على الحدث الرئيس - والمحوري بالنص... ما سقناه وأشرنا عليه يمثل بعض الأدوات التي وردت بصلب "المتن" وسعت من ثم مع غيرها على خلق الفعل الدرامي وتناميه، غني عن القول أن هذه الأدوات وغيرها تسعى سعياً حثيثاً وطبيعياًّ إلى إيصالنا عبر السرد لذروة الحدث الدرامي من خلال أداة اللغة. ونضيف في هذا الشأن أن لغة النص جاءت مشتملة على قدر كبير من النَّصاعة والشفافية، الأمر الذي مكَّن الكاتب من إيصال أفكاره ورؤاه في سلاسة ويسر:
"عندما أحاطت بي صديقاتي.. كان حديثهن عن العريس مشوشاً:-
قالت سلوى: هو ذاك الرجل الذي بلا ملامح.
قالت سكينة: لا هو مديرنا في الشركة.
قالت أمينة: هل أمك لا تعرفه أيضا؟
عندما صمتُّ، قلن جميعاً: الأمر بيدكِ أنتِ .. أنتِ تستطيعين تحديد مِنْ مِنْ مِنْ (إ هـ).
إن رجل بل ملامح استطاع كاتبها " فى رأينا" أن ينتقل بالأحداث خطوة خطوة في حيوية متدفقة ومنسابة بصورة تصاعدية ذات وتائر عالية إلاّ أنَّه بدأ في المقطع الخير للنص وكأنه أراد التدخل لوقف هذه الانسيابية التلقائية والتدفق الطبيعي المتجانس مع المنطق الفني والمتسق والمتوائم. يتجلى لنا ذلك في نهاية النص التي جاءت (كما نعتقد) في شيء من التعجل المر الذي أضر بالنَّص، وجعل الكاتب يبدو وكأنه أراد إنهاءه على هذا النَّحو الذي انتهى عليه. وهذا مما نعده بمثابة رجعة لا تتناسب ألبته مع ما أشاعه النَّص من زخم إبداعي وأبعاد حداثوية. غنىُُ عن القول أنَّ التدخل الغير مبرر "فنياًّ وإبداعياًّ الذي أشرنا له يمثل "إضافة لما ذكرناه ارتداداً للعادية التي تقاطع وتباعد عنها النَّص من قبل في جل مفاصله، إلاّ أننا نجده في لحظة ما قد انساق لحدٍ ما للوقوع في حبائلها:-
"وبعد أسبوع تزوجت من المدير: حيث كانت ملامح وجهه واضحة جداًّ ووسيمة جداًّ وتشبه كثيراً وجه "سالم" وأخذنا معاً نتشارك الاستماع للحن المعجز في اسطوانة (C.D)". (إ هـ).
حول الإبداع
خاتمة حديثنا ومنتهاه تتمحور في الآتي:-
الإبداع أفق مفتوح وفضاء متسع بل لا متناهي. وفي هذا الأفق وفضاءاته يتفق الناس، ويختلفون ويتناقشون، ويتحاورن. ومن ثم تترتب على هذه العملية بعض أوجه الاختلاف والتباين والتلاقي والتباعد في الرؤى ووجهات النظر. وهذا بحد ذاته يشكل إثراءً للنصوص الإبداعية. وربما يساهم هذا الفعل وهذا الحراك التثاقفي التَّحاوري في إعادة استكشاف الإبداع من جديد. وبهذا الأفق وهذه المعاني جاءت مداخلتنا مع رجل بلا ملامح مع أكيد تقديرنا لمبدع النَّص وللقراء الأفاضل.
***    


رحلة عاصم
للبروفسيرعبدالله الطيب                  
1940 – 1941
عرض البروفسير عبدالقادر محمود عبدالله
1. ملخَّص موضوع القصيدة
القصيدة من مائة وخمسة وخمسين (155) بيتًا، في ثنائيات ورباعيات وهي الأغلب. تتخللها أحايين قليلة ثلاثيات، وخماسيات أو سداسيات. سمع عاصم حكايات غريبة تروى عما يدور وراء التَّل القريب من دياره، فقرر أن يستيقن بنفسه، فأعد مطاياه وزاده. فانطلق حتى تجاوز التل، وقطع الفيافي بعده، حتى وصل نخيلا ً كثيفـًا. وهناك سرّح مطاياه، ودخله غائصـًا فيه حتى
تاهـ، وحار بين التقدُّم والرجوع ؛ فأولهما، وهو التقدُّم، في مجهول. وثانيهما، وهو الرجوع، مستحيل. وبينا هو في حيرته إذ بضوء شديد السطوع ومنادٍ لا يراه يناديه. ناداه المنادي لإتباعه، وصار يشدو شدواً جميلا ًسحره، فأسلم له قياده بلا إرادة. فتبع الشادي كما في قصة صاحب المزمار السحري ( ولعل لها تأثيراً هنا )، الذي صعد به في الأجواء. وكان صاحب الشدو هو إبليس. فطارا حتى بلغا النجوم، ورأى عاصم عجائب السماء، ومطاردة الشهب للشياطين، إلى أن أصاب أحدها إبليس نفسه؟ فخرَّ ومعه عاصم إلى بقعة غريبة، هي ديار إبليس ومملكته.
وهناك عاش عاصم في رغد من العيش، تخدمه الخرّد الجواري، بين خمر ونساء، "ولا صلاةٍ ولا صيام"، ولا سجودٍ ولا قيام ، وذلك لعام كامل. وأثناء ذلك صاح هاجس بأن أخاه قد خانه في عرضه في غيابه. وصاح هاجس آخر يؤنبه ويوبِّخه على سوء ظنِّه بزوجته وأخيه. وصاح ثالث يهوِّن عليه المسألة بأنه مثل ما خان زوجته خانته، وخيانة بخيانة، ولا ينبغي عليه أن يطمع في وفائها، فيكون "طامعـًا حسوداً". وجاءه من يطلب منه الصلاة لإبليس كخالق كبير. ثم طلب منه إبليس نفسه أن يطيعه ويسمِّيه "الخالق الإله". وليدلل إبليس على ألوهيته المزعومة، أراه العجائب التي يصنعها، وكيف أنه بإشارة من إصبعه يفعل ما يريد، تختفي الأشياء وتعود، وتجيء أخريات بالإشارة. وبعد حين وبعد ما رأى من العجائب، دبت في قلب عاصم صيحة الضمير، فنادى الله مستجيراً به من إبليس. فأجاره، وانهالت على إبليس الرّجوم، ففرَّ وحده فزعـًا. وهوى عاصم إلى أرضه مرَّة أخرى، ليجد زوجته الحرَّة تنتظره ذلك الحول كله في عفَّة وصون، وسمع الناسَ مرَّة أخرى يتحدثون عن ما وراء ذلك التَّل من العجائب.
2. عرض القصيدة
بعد أن تزوَّد عاصم، قصد التل ليرى ما وراءه:
قد قصد التل وهو نـاءٍ بقـَـفرة مـا بها نبـاتُ
كأنـه ناسـك رهيـــب لـه بأغـــــواره صـلاة ُ
***
حدَّثـــــه الناس أن فيـــه محاسناً عوذُها الفـلاة
فســـار والماءُ في الركايا والآل قـُدَّام ناظـريـه
قد نصِبت تحته المطايـا وأبغضت جذب ساعديه
ثم أتى التل، وكان قصيراً، وتجاوزه قاطعـًا الفيافي بعده، التي أتعبت مطاياه تعبـًا شديداً، حتى رأى نخلا ً بعيداً. فقصده.
حتَّى بدا النَّخل من بعيـــــد مبشّـراً سافـر المحيَّـا
وبعد أن سرح المطايا غار في النَّخل وتاه:
وسار في النخل غير هاد ٍ يبغي لـدى غيله الدليلا
ما حيلتي مُجْهل أمامي ومَرْجـع صار مستحيلا
وشعَّ له نور الشيطان ( أم سيروا ) الذي دعاه ليركب، قائلا ً: "إليك فاركب وسر ورائي". لكنه لا يراه:
واحتار، صوت علا صداه وصاحب الصوت غير باد
كيف إذن يقتـفي خطــــــــاه فأي سيــــر وأي هـادي
أغراه الصوت بجماله، وحسن شدوه ، فتبعه. والصوت يعلو ويرفع الشدو مطربـًا معجبـًا شجيـًّا. وصار يتابع الصوت، وهو لا يدري، حتى صعد به في الفضاء، وقارب النجوم :
يعلو به الصوت جدّ ماض ٍ نجيـبُه والنجـومُ تدنو
يطوي به الجو وهو راضِ عن نفسه للسماء يرنو
فاحتار وسأل قائده عن غاية السير :
يا أيهـا القائد الخفيُّ ما غاية الدرب والمسيـر
هل أنـا ذو آية ٍ نبيُّ أم مجرم سيـق للسعيـــــر
وصار عاصم يتأمل السماء، بما فيها من عجائب للسمع والعيان، ماء بغير نهر، والريح بلا غبار، والماء والنار ممزوجان؛ وظلّ يسأل قائده عن نهاية المطاف:
يا أيها القائد المُجِدُّ قـَصرَك قد قلَّ ذا الهواءُ
أما لهذا المسير حدُّ وبعد كم تـُبْـلغ السماءُ ؟
لكن قائده أسكته، وأمره بأن يسكت، ويأكل هنيئـًا ما جاءه، ولأن المسئول ادّعى أنه رسول، لا يدري إجابة عن سؤال :
"يا عاصم اشرب وكُلْ هنيئًا وعَدِّ عني فلا سـؤال ُ
فكـم تــــــرى ساعيـًا بريئًا شقى وما عنده بـِلالُ
إني رسـول أطيـع أمـراً فلا تقــــل لي بذاك عـلم
كم في فجاج السّماء قـومٌ صمٌّ قبيلَ السؤال بُـكم"
ثم نزلت الشُّهب قاصدة قائده (إبليس) وغيره من الشياطين الأخرى. ورآى عاصم الشهب تصيب بعضهم، ويروغ عنها بعضهم الآخر ليلقى حتفه من أخرى غيرها، حتى أصاب إبليسَ نفسَه شهابٌ ثاقبٌ، فهوى ومعه عاصم :
عارضـه قاصداً شهابٌ فراغ من مسلك الشهاب
ثم أتى مالئـًا يديه من حمـم من لظـى العــــذاب
رمى بها القائد المُعلـَّى فصار في الجو كالسَّراب
وصاح إبليس قــــد رماني إليـك يا خالـقي مآبي
فلما أصيب إبليس، خرَّ إلى الأرض ومعه عاصم في بقعة فيها البقول. لكن إبليس أخبره بأنه لا شيء يؤكل في تلك الحقول، وأن عنده رزقـًا أفضل منها، تغريراً به كما غرر بأبويه، آدم وحواء، من قبل حين حسَّن لهما الأكل من تلك الشجرة في الجنة .
وقال إبليس: "ليس شيء يـؤكل في هذه الحقول
لكن أطعني فــــإنّ عنـدي مفاتح الرزق والسَّخاء
أما رأيت الصباحَ جندي تقاتل الشّهب في الهواءِ
فخاف عاصم. لكن إبليس طمأنه، وبدأ يضله، ليسلِّم له قياده تسليمـًا تامـًا، حتى يشرك إبليسَ بالله، فيذكرَه كما يذكر الله صباحًا ومساءً، بل ويناديه "يا إلهي"، وينصرف للمتع والملذات :
وعاصـم قد أذيب خوفًا فقال إبليسٌ لـم تخافُ ؟
إلى أن قال :
نحن بني النار أهل أيدٍ والناسُ في أرضهم عجاف
فاذكرْنيَ الصبحَ والمساءَ وقـل تعـاليت يا إلهي؛
ولا تضع ساعة ً هباءً واعكف على الشرب والملاهي
فتابع عاصم إبليس، فغرق في النعيم، بين إبليس وقومه في انشغال تام، تخدمه الخرَّد الجواري، ينعم بالعيش بين نهدٍ وخمر، "ولا صلاة، ولا صيام، ولا سجود ولا قيام"، "ولا تحايا ولا سلام"، ولا جدال لا غاية منه ولا مرام، في هناءٍ دنيوي بين الغيد واللهو والمُدام (الخمر). حياة وصفها عبدالله الطيِّب في أبيات رائعة سلسة :
وعاش في رَبْعِهم كريمًا تخْدُمه الـْخـُرَّد الجواري
مـن كـلِّ جِنـِّيِّة رداح ٍ تُشْرق في بهجة النـّضار
أو كل بيضاء ضاء منها نضْرٌ من العيش ذو اخضرار
يبيـت في مَنْـزل رخيٍّ تطـربه رَنَّـة ُ السِّـوار
وخاطب عاصم نفسه سعيداً :
أيُّ حيـاةٍ وأيُّ سعْـد ولــذةٍ بـتُّ أجتـنـيـــــها
أنعم بالعيش بين نـَهْدٍ وخمْـرَة ٍ بِتُّ أحتسيــها
ولا صلاة ٌ ولا صيــام ولا سُجـُود ولا قيــامُ
ولا أنـاس أرَاع منـهم ولا تحـايا ولا ســلام
ولا جـدال يطـول جــــداً ومـاله غايـة تــرام
هنا يعيش الفتى هنيئـًا الغيـدُ واللهوُ والمُـدامُ
وعاصم في هذه الحياة، تجاذبه الخواطر، ما بين مضل وهادٍ، وموسوس ومُطمئن، من هاجس يوقع بينه من جهة وبين زوجته وأخيه من جهة أخرى، يخوّن زوجته وأخاه، ومن آخر يطمئنه بعفَّتها وطهرها، ومن ثالث يلهيه ويحاول صرف ذهنه عن الخيانة أو العفَّة ويدعوه لينغمس في ملذاته الآنية، وألا يأبه لخيانة زوجته. أو لم يخنها هو مع الخرّد الجواري؟ صاح الهاجس الأول:
طفقتَ تلهـو لهواً وخلفت فـي بـلاد الـعدا بنيكا
زوجك لما نزحت عنها خانك في عرضها أخوكا
والهاجس الثاني:
وصاح صــــوت له انفعال أسـأت ظلمـًا إلى أخيكا
رميتــــه بالفجـور والغدر خـاب ظـن الرجاء فيكا
زوجك زهراء ذات طهر في ذروة الصون والعفاف
فارجع لها ليس كل بشرٍ في اللهو يا صاح والسُّلاف
والثَّالث:
وهاجس صاح من قريب مـالك والمنـزل البعيـدا
فههنا إن تشـأ غنـاء تـُرضي به قلبـــــك العميدا
ألم تخن عهدها أترجو زوجك أن تحفظ العهودا
كلا، فكن راضيـًا بهذا ولا تكـن طامعًا حسوداً
ثم جاء إبليس في جموعه وجنوده، في أبّهة ومجد، سد الآفاق بحشده، أمامه وخلفه وفوقه وتحته، وبخيل أجسادها نحاس، كأنها تماثيل لا حياة بها، تصهل فيظهر الجمر في حشاها، تنفث الدخان بخياشيمها. ويُنادى عاصمٌ ليصلي لإبليس كخالق كبير، والأفواج أمامه، بعضهم قيام وبعضهم سُجَّد :
وقيل يا عاص قُمْ تقدَّم وصـلِّ للخـالق الكبـير
وقلبـه حائـر تحـطَّم من هيـبة المارد الجـسور
***
وقال إبليس: يا أطعـني وسمِّـني خالقـًا إلهـا
وانظر إلى إصبْعي فغابت عنه الشخوص التي رآها
وأراه إبليس عجائب يفعلها بإصبعه ليوهمه بأنه إله خالق، وعرض عليه مناظر وأحداث ضاربة في القدم، منها إغراء حواء لآدم:
وصار يطوي الفجاج طيّا في حقب عهدها تقادم
يرى على البعد شأن حوَّا ء وهـي تغري أباه آدم
****
ويبصر الحور وهي تسعى سَكْرى من الحسن والشباب
قد رضيت بالجنـان مرعى لهـا وسـارت بلا ثياب
وعاصم حائر لا يدري ماذا يفعل، تتقاذفه الاتجاهات، إلى أن دبَّت الحياة في ضميره، فوخزه، فذكر الله واستجار به، فأجاره، وعندما صاح :" يا رب يا إلهي من كيد إبليس كن مجيري"، أجاره. إذ أنَّ إبليس ما أن سمع الاستجارة حتى صاح، وهوى وبكفه عاصم قاصداً به السعير. واستجيبت الاستجارة في شهب ثاقبة، ورجوم، جعلت إبليس يفرُّ تاركـًا عاصمـًا، الذي خرَّ إلى الأرض، إلى مرابعه القديمة، ليجد زوجته الحرة العفيفة صابرة منذ حول :
وطار إبليس وهو يعوي محتدم الغيظ ذا زفير
في كفه عاصم ويهوي به إلى شاطئ السعير
***
ثم هوت حوله الرّجوم أمامـها كوكب كبـير
وفر إبليس من لظاها مضطرم النَّار إذ يطير
وعاصم هابط ٌ فـريداً وتحته النَّـار والحرور
ثم اختفت عنه ثم بانت موارد الماء والصخورُ
***
ومربـع كان فيه قبلا ً من قبل أن يبدأ المسيرا
وحرَّة راقبتـه حـولا ً راضية جهدهـا صبورا
***
وراقبَ التلَّ وهـو نـاءٍ بقفــرة ما بها نبـات
يغمـره الآل ثـم يبـدو شاسعَة ً حولـه الفلاة
كأنـَّه ناسـكٌ رهيـبٌ لـه بأغـوارِه صـلاة
حدّثَـه الناسُ أنَّ فيـه سِرَّاً خفاياهُ غامـضات
ويلاحظ أن الأبيات الأربعة الختامية، هي الأبيات الثلاثة الأولى بتغيير في صدر البيت الأول، وزيادة بالبيت الثاني، وتغييراً في عجز الثَّالث.
هذه رائعة من روائع شعر البروفيسور عبدالله الطيِّب( رحمه الله)، تنبئ بنبوغه المبكِّر؛ إذ كتبها وهو بين الثَّامنة عشرة، والتَّاسعة عشرة من العمر.  

إصدارة التنوير والتثقيف 3 Enlightenment and education

التّنْويِر والتّثْقِيف
3
قسم التَّنْويِر والتثقيف
بإدارة البحوث والتّخطيط والتّنمية
جامعة السّودان المفتوحة.
التّنوير والتّثقيف
2
جامعة السّودان المفتوحة.
ردمد: 1858-5426
للاتصال: E-mail: tanweer@ous.edu.sd
موبايل: 0912383850
تليفون: 0120840812
أغسطس 2009
تصميم الغلاف: أ. هشام صلاح حسين
المُشْرف العام
البروفسير عبد القادر محمود عبد الله


رئيس التّحرير
أ. محمّد الفاتح يوسف أبو عاقلة


هيئة التّحرير
د. سامية بشير دفع الله.
المّصمم الفنِّي والمخرج
أ. هشام صلاح حسين
كلمة التّحرير
القارئ الكريم
هذا هو العدد الثالث من إصدارة التنوير والتثقيف، يأتي إليكم وجامعة السودان المفتوحة قد انتقلت إلى مقرها الجديد الأنيق الحفيِّ بالعلم والإشراق والإبداع.
وفي هذا الانتقال إلى المقر الأساسي الدائم، خير كثير لمضاء رسالة جامعة السودان المفتوحة ونفاذها ، وهي التي تسعى للجودة بكل طاقاتها، حتى تصبح منارة للعلم والمعرفة تشع بأنوارها لتشمل كل أرجاء السودان الحبيب.
ويتوافق المبنى الجديد مع كل متطلبات عصر الفضاء المعرفي المفتوح، لهذا توفر له قدر كبير من المقومات التي تعين على نشر المعرفة والعلم.
التهنئة موصولة بأمنيات التوفيق والسّداد لأسرة الجامعة.
رئيس التحرير


التّمساح
أ. محمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة
التمساح حيوان نيلي، يعيش في الأنهار العذبة التي ترفد نهر النّيل في السّودان، وهو يبيض ويدفن بيضه على رمال الشّواطئ ليفقس عن صغار يشبهون " الورل" والضّب، وفي بعض مناطق السودان، يطلقون على "ورل" الماء "جنا التّمساح" ويسمى "البَرَنْتَا". وتدمع عينا التمساح عند الأكل لهذا أطلق النّاس مقولة: " دموع التّماسيح"، على الذي تدمع عيناه افتعالاً وتمثيلاً دون حزن حقيقي، بعد أن يكون قد ألحق الضرر بالآخرين. وهناك نوع من المرض يصيب الغدد الدّمعية ويؤدي إلى جعلها دائمة الدّموع.
وهو حيوان برمائي مفترس، وأنواعه تقارب المائتين وواحد وسبعين نوعـًا في العالم، وهو يعيش على أكل اللحوم ويفترس الإنسان، لهذا نجده في الثّقافة السّودانية رمزاً للقوّة والبطش والصّولة، ومن أسمائه:
- الِّلدِر، أبْ كَرِيۤق، العُشاري، الكَبْجَن، الدّابي.
وللتّمساح ظهر صلب قوي وسميك عليه"الكريۤق" وهي الطبقات السميكة المترادفة التي يتخللها طمي النيل وقد تنبت عليه الحشائش، وشاعر الشُّكْرية يوسف أب آحميد يخاطب شقيقه دريس أبْ آحميد قائلاً:
الفـَرعْ البِمُـوحْ فِي حَجْرَة أبْ زُلِّيۤقْ
مِنْ فُوۤق النِّمِـر تِحِت الأسَـدْ حِلِّيـقْ
فِي الوَسْطَى دَقَـر نَقْوة المَنَطَّع زِيـقْ
مِنّك ؤلِي إدِرْ مُوجَـة وبِشِيل إطْبِيـقْ
فيرد عليه دريس بقوله:
أنا عنـدي الحربة للدّقر المَنَطَّع زيـق
ؤعنْـدي الجُلَّة للـدر البشيـل إطبيق
عنـدي أب عشرة للأسد البحوم حلِّيق
سحبت أب نـَوَّة للنّمر البقولو إشفيق
وفي هذا المربوع إشارة إلى عدد من الأسلحة التّقليدية التي تمكن الإنسان من التّصدّي لهذا الحيوان المفترس ولقد ذكر الشّاعر منها:
1- الحَرْبَة. 2- أب عشرة وهي بندقية.
3- وأبْ نَوَّة وهو السّيف. 4- و"الجُلَّة" لصيد التّماسيح، وهي حربة من نوع خاص، مسننة وحادّة، وتربط على سلك سميك جداً، وفي آخر هذا السّلك خشبة من النّوع الرّخو "الطّرور"، تطفو على سطح الماء محددة مكان التّمساح، فيتابعها الصّياد ليتمكّن منه بعد أن ينهكه بالمطاردة.
التمساح وفي فمه فريسة
يزخر الشّعر السّوداني بالإشارات إلى هذا الحيوان الذي شغل النّاس كثيراً، وأسهم في ثراء المخيّلة الشّعبية السّودانية، فالأشعار والقصص والحكايات والأمثال والأحاجي والأغاني لا تخلو من التفاتات إلى التّمساح وحكاياته.
أبْ كَريۤـقْ فِي الّلجَجْ
سَــدَّر حَبَس الفِجَجْ
عَاشْميۤقْ حَبْـل الوَجَجْ
أنَا أخُويّ مُقْلامْ الحِجَج
وقصيدة حاج الماحي عن التّمساح شاهد على خطورة شأن هذا الحيوان وسطوته على ساكني ضفاف النّيل، فالتّمساح الذي أشار إليه في قصيدته، قد كان مثار قلق وتوتر شديد في الشّمالية آنذاك، فما كان من حاج الماحي بفطنته ومنهجه الدّاعي إلى محبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الدّاعي إلى المحبة والتّواصل والتّواد بين النّاس، إلا وتوظيف هذا الحدث بجذب انتباه النّاس، ومشاركة همّهم من خلال نظمه الرقيق، ودعوته للصَّالحين من الأولياء، (رجالة البركل)، بالتّوجه بالدّعاء لله لصرف هذا البلاء عن العباد.
شي لله يا رْجَالْـة البَرْكَـل
السَّهرانَـة اللِّيل مَا بتَكْسَلْ
التُّمْسَاح تُمْسَاحَـا جَسَّــرْ
وأمْـرُو عليۤكُـم مَا بِتْعَسَّـرْ
...
فوصفُ التّمساحِ بالجسارة وصفٌ صحيح وموّفق لأن هذا الحيّوان يهاجم فرائسه بقوة وجسارة. بل يصطادها أحيانـًا وهي على شاطئ البحر "القيۤفة" ويستخدم في هذا ذيله الطّويل، الذي يضرب به الفريسة لتسقط داخل النّهر ليقوم بعد ذلك بافتراسها.
تُمْسـَاح الدَّمِيـرَة الضَّارِبْ اللَّيا
يِبْلَع جُبْ ؤجُبْ لخَصِيمُو جِـدْ لَيَّا
"الليّا"، هي المكان الذّي ينحني عنْده الوادي أو النهر، وهو من الأماكن التي يتوقع وجود التّمساح فيها، وتشبيه الفارس الذي يهزم ويدمّر أعداءه بالتّمساح، تشبيه ينم عن إدراك الذّهنية الشّعبية العميق لخطورته وقوّته.
يتحدّث أهل السّودان كثيراً، عن التّمساح ونجده في نسيج حكاياتهم وأمثالهم، وكرامات أوليائهم، كما ورد في قصّة "جلوك"، حوار الشّيخ دفع الله المصوبن، والذي اختطفه التّمساح من على شاطئ "أبوحراز" بلدة السّادة العركيين، أهل الصّلاح والطريق القادري، والمناقب الكثيرة. حيث استنجد الناس بالشّيخ دفع الله الذي تصدّى للتمساح وأنقذ منه حواره وتلميذه "جلوك"، ولازالت الذاكرة الشّعبية تردد هذا الموقف وتشير إليه. ويرد ذكر التمساح في ألعاب الصّبية، كلعبة شليل:
شِليۤلْ ويۤنْ رَاحْ خَتَفُو التُّمْسَاحْ
شِليـۤل ويۤنـُو خَتَفُـو الدُّودُو
***
والعجيب في الأمر، أنّ هذا الحيوان المفترس، تستخرج من غدده الدّهنية، مادّة تضاف إلى الكُمْبا، والمَحَلَب، والزنجبيل "الجنزبيل"، لتُنتج ما يسمّى بالطيب المربّع، وهو عطر من أطيب عطور أهل السّودان قديمـًا، ولتلك الغدد اسم سوداني خالص، وهو"الدِّرَب" وربما يكون اللفظ مشتّقاً من "الدِّراب"، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر "ليقِبَّ"، أو ربّما تكون بمعنى "الضّرى"، كما ورد في القاموس. ومما ذكره الشّيخ كمال الدّين الدميري في "حياة الحيوان الكبرى"، عن التّمساح قوله:
"التّمساح اسم مشترك بين الحيوان المعروف والرّجل الكذّاب، قال القزويني: وهذا الحيوان، على صورة الضّب، وهو من أعجب حيوان الماء، له فم واسع، وستون نابـًا في فكّه الأعلى، وأربعون في فكّه الأسفل، وبين كلّ نابين سن صغيرة مربّعة، ويدخل بعضها في بعض، عند الانطباق، وله لسان طويل، وظهر كظهر السّلحفاة، لا يعمل الحديد فيه، وله أربع أرجل وذنب طويل."
وأورد عنه:" أنه يغيب تحت الماء طوال فصل الشّتاء، ويعيش حوالي الستين سنة، ويُسمّى الطّائر الذي يلازمه وينظّف له فمه بالقطقاط، وذلك لأنه ليس له دبر يخرج به فضلاته".
وأشار إلى تحريم أكله، مستنداً على رأي محب الدّين الطّبري والرّافعي، بحجة أنّه يعدو بنابه، وأن أكله من الخبث.
وللتّمساح طريقة عنيفة ووحشيّة في التهام فرائسه، إذ بعد أن يمسك بها، يقوم بتطويحها في الهواء، ثمّ يضرب بها الأرض بقوةٍ، مرات ومرّات، حتّى تهرس كلّ العظام التي بداخلها، ثمّ يقوم بهزّها في الهواء، ليذروها فتتطاير منها العظام بعيداً، وبعد ذلك يقوم بالتهامها دفعة واحدة، وكثيراً ما يجد الصّيادون حلي النّساء وأدوات زينتهن، في بطون التّماسيح وكذلك السّاعات، ولوازم الرّجال.
يقول الشّاعر أحمد عبدالله البنّا "الفرجوني":
تُمْسَاح أدْبـَرَه الحَجَّر ورُودْ القِــيۤفْ
يَا نِمْـرْ الفرُوعْ فِي الغَابَة مَاكَ طرِيۤفْ
يَا الضُّلْ الضَّلِيلْ الفِي هَجِيرَة الصّيۤـفْ
للرَّايـْدَكْ مَحَنَّـة وللمِعَادِيـكْ سِيۤـفْ
يا شدر الهنا الشايـل الثمر عليــف
حَقَّ الشَّكْـرَة صُحْ عِيسَى البِتِم الكِيۤفْ
يؤسس الشّاعر صورة متخيلة لهذا الكائن البرمائي المفترس، الذّي اقتحم فضاء الثّقافة الشّعبية السّودانية، وتحوّر الآن ليصبح رمزاً للجشعين من النّاس، الذين يعتدون على الأموال ظلماً وعدواناً.
وفي المديح الذي قيل في الشّيخ العبيد ودبدر "ود ريّا":
يَا تُمْسَـاحْ الأرْبَعِينْ
يَا مكَدِّبْ نَايْبَكْ سَنِينْ
نـَــادِر ودْ بـَـدُرْ
فِي أمْ ضُبَّانْ سَاسَك مَتِينْ
التمساح من الحيوانات التي أمدت الثقافة السودانية بالكثير من الصور والرؤى والأفكار، وهذا قليل جداً مما يمكن الوقوف عنده من آثار هذا المدد الثقافي الثر.
وكثيرة هي الحكايات والقصص والأشعار التي نسجت من عوالم الحيوان وغرائبه، ووظفت في المجالات التربوية المختلفة.

شعر
رؤى و تصاوير
في البص
د. نور الهدى عصام الدين عثمان
(1)
مشاوير السنين تزفها البصات
و مشوار الحياة بصحبة الأصحاب
(2)
الوقت تستجيب فيه الشمس للظهيرة
و النسمة الوحيدة التي أتت
مريرة مريرة
اللَّفح يصفع الوجوه لا يبالي
البَّص جاء في تعاظم
و الموقف الصغير قد بدت جموعه غفيرة
و هرولت جموعه لتلحق الأماكن القليلة الأثيرة
فواحد يسارع الخطى
و آخر يحس جيبه ولا يبالي بالذين حوله
و ثالث يقول للجميلة التي أمامه
تعالي يا أميرة
و آخر عيونه قد هرولت أمامه لتقطع المسافة الطويلة
(3)
و صاح في جزالة ليعلن الرحيل
نظرت فيه كم ترى قد عاش هذا الآمر الصغير
فشكله يقول أنه قد فات من سنينه قليل
و نظرة من عينه تقول أنه مضى على ميلاده كثير
فأمه مسكينة مجهولة المصير
و الوالد الذي قضى قد عاش كل عمره فقير
و إخوة من حوله أظن جمعهم كبير
هل يذكر الطفولة !!؟
وهل لذلك الحديث من صدى على مطامح الرجولة!؟
محال أن تكون أذنه قد داعبتها قصة البطولة
ولا جبينه قد داعبته قبلة الحنان
لكنه في مهده
قد شوشت على فؤاده تجارب الكهولة
(4)
اللفح يخدش الوجوه في جرأة عنيفة
و الصمت قد بدا من حولنا يخنقنا بخفة
- إبليس في المرور– قالها مسافر بضحكة خفيفة
و جاوبته همهمات الراكبين
في بعضها تحس غائر الأنين
و نظرة لراكب قد هرولت تسابق السنين
و مرة تعود للوراء تخرق الماضي الحزين
عيونه تشوبها ملامح الكآبة الأليمة
عروقه تود لو تطير من حصار الجثة السقيمة  


القرية في أدب الطيِّب صالح (2-2)
بحث في رؤى الكاتب الإبداعية
أ‌. محمَّد عوض عبوش
في هذا المناخ الذي تجمعت فيه هذه التيارات والأجواء الفكرية كتب الطيب صالح أعماله القصصية والروائية. واتجه بكل طاقاته وملكاته الأدبية والإبداعية للكشف عن أصول الحياة السودانية وعن ثقافة الإنسان السوداني وجذورها الإنسانية والأخلاقية والروحية والفكرية بعمق في مجتمعه. والكشف عن أن هذا المجتمع له فلسفته في الحياة وله قيمه وتقاليده وأعرافه ومعتقداته ونظمه الاجتماعية والسياسية وهويته وتاريخه والتي يعتد بها جميعها. وأن هذه الأصول هي التي صاغت وكونت نسيج الحياة السودانية عبر التاريخ وحافظت على كيان المجتمع السوداني وتماسكه رغم الهجمة الشرسة التي تعرض لها في العهود الاستعمارية. ومن هنا فلا مناص من التأكيد على هذه الأصول واستصحابها في عمليات بناء المجتمع الجديد بعد الاستقلال. ودون شك فإن الطيب صالح يرى أن من واجبه ككاتب يحمل في أعماقه هموم بلاده، أن ينبه أو يلفت النظر، إلى مناطق القوة والضعف في البناء التقليدي للمجتمع في كافة الأوجه حتى لا ينساق الناس وراء دعوى التحديث والتطور دون تدبر أو رؤيا نافذة ترى وراء الأشياء التي تبدو للعيان، من دون مصلحة المجتمع ودون أن يعد الأساس والأرضية السليمة للتحديث والذي يرى بأن لا مفر منه في الوقت نفسه الذي يعد فيه العدة لعمليات النهضة السياسية والاقتصادية، لأن التحديث الذي لا يأتي عبر واقع المجتمع وتجاربه وخيراته وقيمه وروح إنسانه، يكون مشوهاً لا أصل له وغريبًا عن المجتمع الذي يسعى إليه.
ونجد الطيب صالح يعبر عن بعد اهتمامه بأصول المجتمع وتراثه وتاريخه وحرصه على أن يأتي الجديد متسقًا مع واقع التجربة السودانية بقوله: "إنني كنت منذ صغري تشحذ خيالي حكايات الماضي". وقوله: "وأذهب إلى جدي فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عاماً، قبل خمسين عاماً، بل ثمانين عاماً فيقوى إحساسي بالأمن". والإشارة هنا : "فيقوى إحساسي بالأمن"، ترمي إلى تلك العلاقة الأزلية بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأن الحاضر والمستقبل لا يستقيمان إلا إذا استندا على دعائم من الماضي. فإذن الجد وأحاديث الماضي يعبران عن تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهي العلاقة التي تحافظ على أصول المجتمع وكيانه وتقوي في نفس الإنسان السوداني الإحساس بالأمن. وهذه الأصول هي التي أحس بها الكاتب ولمس استمرارية وجودها حالما وطئت قدماه أرض قريته ومرتع صباه، فقد كانت لحظات مفعمة بالمشاعر والدفء الإنساني، عبر عنها الكاتب بصدق وشفافية أخاذة حين قال: "عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقيةً قائماً بينهم، فرضوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي. فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس. ذلك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زماناً في بلاد تموت من البرد حيتانها".
هذا الدفء الذي أحس به العائد إلى بلده، بعد فترة غياب طويلة أمضاها في تلقي العلم في الخارج، يرمز به الكاتب إلى أصل من أصول الحياة السودانية، ويلمس وتراً من أوتار نسيجها الاجتماعي المتناغم، فهو يجسد الروح الجماعية والتلقائية التي يتعامل بها المجتمع التقليدي في القرية مع الأحداث التي تشهدها، ودون شك إن عودة ابن من أبنائها وهو يحمل درجة علمية رفيعة يمثِّل حدثاً كبيراً يخص به الجميع. وإن لهذا الدفء الإنساني بعده المضي في نفس هذا العائد إلى بلده وأرضه، وولد لديه شعوراً مضاعفاً بالانتماء وحماساً للعطاء، إذ نجده يقول: "أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر". فإذن هذا الأصل المتمثل في الروح الجماعية والذي جسده الكاتب بشكل مصادر الانتماء للأرض والوطن ودافعاً من دوافع العطاء له والنقاء فيه. يمثل هذه الرؤى الإبداعية عبر الطيب صالح عن الحياة في السودان وأصالتها وعراقتها. فالقرية هي الوحدة أو النواة الأولى للوطن المستقر، والتي انطلق منها الإنسان السوداني لترسيخ نظمه وأعرافه وتقاليده وتأسيس حضارته ومجتمعه المستقر. فهي من هذه الزاوية تمثل مستودع قيمه وأعرافه وتقاليده الأصيلة والتي عمل على بنائها من واقع تجربته ومعطيات بيئته وتنطوي على ثقافته وروحه. فالقرية بهذا المعنى هي التي اتخذها الطيّب صالح مكاناً لرواياته وقصصه، ومنها أخذ شخوصه وصاغ صوره وأوصافه وبث من خلالها رؤاه الإبداعية الغنية بالدلالات والمضامين. وهذا المنحى هو ما عناه الدكتور مختار عجوبة حين تحدث في كتابه "القصة الحديثة في السودان"، عن أعمال الطيب صالح، وقال: "إن كل قصص الطيب صالح تلعب القرية فيها دوراً أساسيًّا، وتتردد فيها فيضانات النيل، والنباتات والزرع والحصاد والإنسان والحيوان، وهو في كتاباته كأنما أراد أن يعرف بالسودان، أن يعرف بعراقة مجتمعه وأصالته"، وفي تقديرنا إن الطيب صالح قد ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ نجده يقف أيضا شاهداً على عصره، على اللحظة التاريخية للتحول في السودان، أي مرحلة الانتقال التدريجي من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، ومن عهد الحكم الاستعماري إلى عهد الحكم الوطني، لم يقف شاهداً متفرجاً وإنما شاهداً منفعلاً مع الأحداث، وله رؤيته في ملابسات وإرهاصات هذا التحوّل والانتقال.
والطيب صالح يعتبر من ضمن روائيين كثيرين في العالم الثالث جعلوا من القرية مسرحاً لأحداث رواياتهم وأعمالهم الأدبية ولعلنا نجد تفسيرا لهذا المنحى في أنهم يعمدون إلى ذلك حينما تتجاذب بلادهم منعطفات التحول أو التطور، أو عندما تمر بها المحن والإخفاقات، أو عندما تأخذ القيم والتقاليد الأصيلة في كل التآكل أمام مد الحداثة، أو تجتاحها عواصف الدكتاتورية والظلم والاضطهاد. ففي مثل هذه الحالات تصبح القرية لا تمثل مكاناً بعينه، وإنما تمثل مرفقاً فكرياً، أو حالة فكرية، كما يذهب إلى ذلك كل من سامي وإنعام الجندي في مقدمه ترجمتهما لرواية الكاتب غابريل غارسيا ماركيز،(مائة عام العزلة)، إذ نجدهما يقولان عن قرية "ماكوندو" والتي أصبحت قاسماً مشتركاً في كل روايات ماركيز إنها تضرب في الواقع وتتجذر فيه، حتى لكل شخص ولكل بيت ولكل شجرة وكل حبة رمل بل تصبح صورة حية لإنسان البلد الذي يكتب عنه الكاتب، في همومه ونشاطاته بخاصة وخذلانه، مآسيه ومسراته، قهره وانتصاره، انحسار إرادته، وتصديقه لما يعوق إرادته، في الخطر على وجوده، متحدية لذلك الخطر". وللطيب صالح رأيه في إتباعه لهذا المنحى إذ نجده يقول: إن على الأديب أن يبدأ من عالمه الصغير.. وإذا نجح الأديب في مخاطبة عالمه الصغير، فأنه يكون بمثابة من نجح في مخاطبة العالم كله".
بهذه الخلفية ندخل عالم الطيب صالح الروائي، هذا العالم الزاخر بالرؤى والأفكار والدلالات والمضامين التي تنبض بالحياة، المنطوي على نفس مفعمة بروح العطاء ومتوثبة للانعتاق والبعث الثقافي، عالم يفيض بجمال اللغة وسحرها وفن الإبداع، غني بالصور المعبرة عن واقع المجتمع السوداني وعراقته، ومتطلع لتحديث هذا الواقع وإصلاحه بوعي وأناة، فمن هذا المنظور ندخل إلى هذا العالم الذي لا يزال تختبئ في داخله الكثير من الرؤى والأفكار، كما يختبئ اللؤلؤ والجواهر الثمينة داخل الأصداف. ولا غرابة فى ذلك، فأعمال شكسبير عبقري المسرح الإنجليزي، لا تزال تستخرج منها المعاني والأفكار حتى اليوم، رغم بعد الشقة بينه وبين هذا العصر.


شعر عامي
ها الوليـــد!
الشاعر جاد كريم محمد محمد أحمد أبوزيد "شندي" التراجمة – الغابة
قُولْ لِى هَا الوِليۤدْ أسْمعْ
ؤفُوۤقْ القَالُوۤ فِيكْ بَرْضِي يَمِينْ بِاللهِ مَا بَرْجَع
حَصَـلْ فِي يُـوۤمْ
قَرَع عِشْواوِي أوْ فَجْرَاوي وِكْتِيۤن الحَمَار يِطْلَعْ
سَقِيتْ البُوغَة بالَّلبَقَة ؤمَــرَّة قْرَانْ
كَمَان كَاشَنْتَ للإنْتَايَة فِي التِّيــنَانْ
حَلَبْ جَدْوَل ضَكَر وسْخَانْ
ؤنِحْنَ كَمَـــــان نَمِسكْ الشَّافِعْ الدَّلْعَانْ
مِنْ جَضْمَاتُو ؤنْشَدِّقْ ؤبِنْفَرِّقْ بِيۤن البَهَمْ
بِنْخُتُّو جُوَّه الكَرْ سَاعْة أُمَّاتُو ِبِتْعَلّقْ
ؤقُولْ لِى هَا الوِليۤدْ أسْمَعْ
أوْعَكْ أوْعَى تِتْصَرْبـَع
حَصَل تَرْبَلت فِي قَيَّالَة بِتْحَرِّقْ
حَصَل عَلَّقْ جَخَصْ بَرَّانِي أوْ جُوَّانِي
فِي الكَرَبْ المِعَضِضْ فِيهُ قرْمَدّي ؤبِيْطَقْطِقْ ؟
حَصَل كَدْكَدتْ دُوُنْ طِرّيۤقْ
حَصَل جَرْبَنْتَ عَرَّاقِيكَ بالدِّفِيۤقْ ؟
حَصَلْ بَقَّشْتْ واللا رِمِـدْ
ؤجابُو لَكْ مِنْ المُسَّــارْ
مَلِيۤتْ عِينِيۤكْ بِقَتْ تَدْفِقْ
حَصَل مِنّ الحَفِيرْ كَرَّعْ ؟
ؤصَفِّيۤتْ مُويْتُو مِن دَغَلُوبَة
واتْوَتَحَـت قُـتَّ شبَـَعْ
رَجَعْ شَبْعَانْ وِكِتْ تَرَّعْ
ؤقًول لِى هَا الوِلِيدْ أسْمَعْ
شِنُو المِعْرِضْ.. شِنُو التِّنْقِيرْ ؟
شِنُو الإقْنِينْ... شِنُو اللاوِيۤقْ
شِنُو القُّشُّق .. شِنُو الكَاوِيۤقْ
تَعَرْفَ السَّندقيۤقْ آولِيۤدْ؟ شِنُو العَاشْمِيۤقْ
شِنُو الهَمْبَك هَوَا مِسيۤرِيِقْ
وأتْحَدَّاكْ بِتَعَرِفْ خُلَّةَ المَاريۤقْ
شِنُو النَّعْسَانْ شِنُو الّلقْلُوقْ
شِنِي المَاسْدِيۤرَة والفَاشُوقْ ؟
شِنُو القُلُّقْ ... شِنُو البَرْدَانْ
شِنُو المَاكُوكْ شِنُو الكَمْتَر شِنُو البَدْقُوقْ
شِنُو الرَّحَل التّفرغْ عِيۤنُو للمَارُوۤق
ؤقولْ لِى هَا الوِليۤدْ أسْمَعْ
تَعَرْف الكنْدَرَة أُمْ غُوشَـة ؟
تَعَرْف الكِتْرَة بِى عرُوشَة
شِنُو العَمَيُوقْ شِنُو التُّوۤرِيۤقْ
شِنُو الحُمْبُك شِنُو الحُمّيۤضْ شِنُو اللُّصيۤقْ ؟
ؤقُولْ لِى هَا الوِليۤدْ أسْمَــعْ
حَصَل صَنْقَرَت فُوۤقْ مُشْرَعْ
ؤمَا لِقِيتْ مَعَدَى بِى غَادِي والرَّوَّاسِي اتْمَنَّع
ؤلفِّيۤتْ الهِّــدُومْ فِي الرَّاسْ
نَزَلْتَ طِمِيّة مِنْ القِيۤفَة ﭽُبْ تَبْلَعْ
ؤقًولْ لِى هَا الوِلِيۤد أسْمَـعْ
تَعَرْف الكَـجْ واللالْويۤـبْ؟
حَصَلْ شُفْتّ الرّوَا اتْقَطَّع شِنُو الجَاقُوسْ
شِنِي الحَيَّاصَة والصَارِي... شِنُو البَاطُوسْ
شِنُو الفَافْرُوج شِنُوالمُعْلاق شِنُو الشَّاشَّـاق
حَصَل قَيَّلَتَ فِي رَقْـرَاقْ
فِي السَّلَم المَطَارْقُو رُقَاقْ
شِني الفَرْوَة.. وشِنِي المُخْلا
شِنِي المَلالَـة والمُطَّالَة
شِنِي العِدْلَة...شِنِي الفَقْلَة
شِنُو البَرَبنْدِي والخَنَّاقْ
شِني الوَشَرَة... شِنِي الوَعَرَة
شِني الدَّبَرة... شِنِي الشَّعتَة... شِنِي النَّذْرَة ؟
شِنِي النَّتْرَة شِنِي الطَّرْفَة وشِنِي الصَّرْفَة
شِنِي الهَكْعَة وشِنِي الهَنْعَة
شِنِي العَرْجَا وشِنِي أمْ نُقْنَاقْ
ؤقُولْ لِى هَا الوِليۤدْ أسْمَعْ أخِيۤرْ مِنْ هَا الحَدِيثْ تَقْنَعْ
شِنُو الوِيۤكَابْ شِنُو الرُّﭽََّابْ
شِنُو الغَوَّاصْ شِنُو الضَرَّابْ
حَصَلْ شَقَّقْتَ مَرَّة سَرَابْ
شِنِي النَّذْرَة وسِهيۤتْ غَرَزَتْ
شِنِي العَزَّالَة والوَقَّالَة
شِنُو الأبْرَق شِنُو اللَّبَّابْ
تَعَرْفْ اللِّبْـدَة والضَّنَّـابْ
حَصَلْ شُفْتَ المُشَاطْ بالسَّلَّة
ؤشُفْتَ سَمَاحْتُو جَايِبْ بِالمَتَاقِيلْ تَلَّة
أخَدْتَ التَّبَّة واشّبَلتَ قُتْ مَا دِلا
والعَنَجَاوي جُوَّه سَراتك اتْدَلَّى
بَدُورْ أورِيكْ هَدِي الحِلَّة
ؤقُولْ لِى هَا الوِليۤدْ أسْمَع ؤحَاوِل مَرّه تتشدَّع
حَصَلْ زَوَّفْتَلَكْ شَتْلَـة
حَصَل كَرَّجْتَ شِيۤلَة زُوۤلْ
واتْخَازَلْتَ مِنْ حُوۤضَاً كَبِيرْ ؤصَنَجْ
حَصَل دَقُّوكَ فَلاغَة وِكَتِيۤنْ التَسّوِّي عَوَجْ
وأكَلْتَهَا سَاهِي فِي اللّبَّادْ ؤقَالُوُا لِيۤكَ أمَّا خَمَجْ !
ؤقُولْ لِى هَا الوِلِيۤدْ اسْمَعْ!
حَصَل جَامَلْتَ فِي المَعْرُوضْ
وأكَلْ مُطَّالَة سَاهِي قَرَوضْ
لَحَمْ مَرْدُومْ تَمُرْ مَرْدُومْ
حَصَلْ جُوۤعَرْتَ واللا خِنِقْ
لامِنْ جَاتَك أُمْ دَلْدُومْ
حَصَل جَرَّبْتَ فَكَّة رِيِقْ قُبَّالْ الشَّمِسْ تَشْرِقْ
حَصَل سَوُّولَك الشَّلَهُوۤبْ مِنَ المَحْلُوبْ
حَصَلْ سَاهَرْبَكْ المَرْقُوۤتْ وأبُوقْرِيۤفَة
حَصَل صَبْلَجَتَ فِي القِيۤفَة
حَصَل قَفَّلْ بالعَبَسْ كِمْلِيبة
حَصَلْ شُفْتَ السِّهِيۤتْ البِىۤ التَّلاتَة حَلِيبَة
حَلَبْ عَتْمَة وشِرِبْتَ شخِيبَة ؟
حَصَلْ فِي يُوۤمْ مَليۤتْ لَكْ بُلْ واللا شِرِبْ شَرَابْ الغُلْ
واتْمَسّحْتَ بِى مَجْمُوعْ أوْ بَيَّتَ فِي قَاطُوعْ ؟
أو ضُقْتَ الدَّبَسْ فِي الرَّاسْ أوْ كَبَّر تَبَسْ بي الفَاسْ
بِتْعَرْف التَّغَر وكْتِيۤنْ يِبْدَا فِيهُ يَبَاسْ ؟
حَصَلْ سَاهَـرْتَ بِى الكَبَّـاسْ ؟
بِتْعَرْف السِّعِن والقِرْبَة بِى وكَّايَة
شُوفْ نُقَّاعَة زَي أمْ بُور ؤفِيهُ تَرَايَة
تَعَرْفْ أُمْ تَكَشُو وأمْ بَارِدْ ؟ تَعَرْف الشُّولْ والفَارِدْ
والسِوِّيۤد أكَلْتُو مُلاحْ تَعَرْفْ القُبْسَة والبَيَّاحْ
لِعِبْ شَادِيۤت حِدا الحِيۤشَانْ ؤكُنْتَ صَغِير مَسَكْتَ أضَانْ
وِصِلْتَ المِيسْ وكتْ فَرْحَانْ
لِعِب قَادُوسْ ؤيُومْ قَاسَوكْ ؤمِينْ قَاسَا
واللا الرِّمَّة حَرَّاسَـــــة
لِعِبْتَ كَرَع كَرَع النَّو ورَا الغَابَة
لِعِبْتَ الطَّابْ ؤشِلْتَ الوَاشْ وفلاغة وضَبِح طَابَة
لِعِبْتَ الوَرْ ؤكُوۤرَكْتَ وكَسَرْتَ الجَرْ ؤحَرَّتْ حَرْ ؟
لِعِبْتَ شِبِيۤرْ شِبِيۤر يُوۤمْ شَدْ
ؤقَامْ بِى جَمَاعْتُو طَايِرْ فَرْ
شِنُو النَّاطُور شِنُو المُتْرَارْ
حَصَل ضُقْتَ القَلِيعْ كِيۤفْ حَارْ
حَصَل شَاقَقْتْ سَدَّارِي واتْضَرَعْتَ فِي الغَدَّارْ
لِعِبْتَ الكَاسْ وأدُّوكْ هُوبَة نُصّ الرَّاسْ
حَصَلْ حَشِّيۤتْ لَوِيَة لُوبَا سَاعْة صَنَّة دُنْيَا هَجِيرْ
حَصَلْ غَزّيۤتْ مَنَاجْلَكْ دِيۤلْ فِي تُمْسَاحِيَّة خَاتْيَة المِيۤلْ
حَصَلْ عَلَّبْتَ نَارْ فِي فِجِيۤرْ
حَصَلْ كَوَّعْتَ يُوۤم فِي حِجِيۤر ؟
تَعَرْف الدُّكَرِي المَا انْخَتَ يُوۤمْ فِي جَفِيرْ
حَصَلْ آ ولِيــۤـدْ ؟
فِي التَّكُويَة جِبْتَ صُرَارْ ؤجِبْتَ مَسِيرَة مِنْ التُّوۤبْ
عَجَنْتَهَا فِيهَا بِى طَنُّوبْ
شِنِي الدَّرَّة وشِنُو المَحَوِيۤبْ شِنِي الدَّانْقَا وشِنُو الدَّانُوۤبْ
شِنِي السَّحَارَة والدّوَنِيبْ
حَصَلْ حَجُّوكْ حَصَلْ لُولُوكْ
حَصَلْ بِى غْرَارَة يُوۤمْ غَتُّوۤكْ
حَصَل آوليۤدْ رِكِبْتَ ألْبِلْ
شِبِعْ حَميضْ صِبِحْ تَرْيَانْ ؤفِي شَمْسْ الله مِتّنْبِلْ ؟
حَصَلْ خَرَتُوكَ بِى أمْ فِرْتِيتَة جِيتْ فَاضِي
مَشِيۤتْ كَابَسْتَلَكْ وَرَتَابْ
ؤيُوۤمْ عِرْفُوۤكْ عَشَاكْ كَانْ طَي ؤمِدَّنْبِلْ ؟
حَصَلْ شَقَّتْ كُرَاعْكْ سَارَة فِي الحَجْرَة ؟
حَصَلْ شُفْتَ العَرُوسْ مِتْضَارْيَة فِي الكُجْرَة
حَصَلْ فِي يُوۤمْ سِمِعْتَ الوَالْدَة بِتْبَنّنْ
ؤتَطْحَنْ فِي الدَّرِيشْ مِنْ تَانِي ؤتْفَنِّنْ
شِنُو القُرْقَابْ شِنُو الحَتَّل شِنُو العَنَّبَابْ
شِنُو الغَلَق البِيْفَتَحْ بِىۤ كَدِيس ؤكْلابْ
شِنُو المِشِّقْ شِنُو البِكّكْ تَعَرْفَ الوِيۤنْ واللا القَاوْ
شِنُو الَّلرَصْ البِجُر غِيۤرُو تَعَرْف الكَاو
شنو الاسْنَاج شنو الأرْقُو شنو الرَّتّاج
حَصَل شُفْتَ الرَّضِيَّة تَخُشْ
تَهِزْ سِعْنَاً مَلانْ بِالرُوۤبْ ؤمَرَّة تَرُشْ
مَعَلَّقْ فِي كَشَمْبِيرْ مِنْ حَطَبْ مَقْلُوبْ
حَصَلْ قَالُوۤلكْ إنُّو الكُورْ بِجِيب القُوبْ
تَعَرفْ الفَرْيَة والسِّمْبِيسَة والنّبِيتْ
حَصَل طَقُّوكْ بِالنَّبُّوتْ وِكْتِيۤنْ التَّقُولَه أبِيۤتْ
حَصَلْ قَيَّلْتَ فِي صَنَّانَة تَسْمَعْ صَنْ
تعرف أمْ صَنْ
تَعَالْ نُورِيكْ عَكَاكِيزَنَا وأسَامِيهَا:
أبْ قَرْجَة ؤسَجَم الأُمْ واللاقُوۤنا وأبْ حَنَفَة
ؤكَمَان فِكُّو تَسْمَع كَو وكْتِيۤنْ الحَدِيثْ لاكُو
حَصَلْ شَاهَدْ بَنَات الحِلَّة سَاعَة يِمْشَنْ الوَاقُودْ
ؤتَلْقَى السَّمْحَة تِتْوَقَّى وضَمِيرَه يقُودْ
حَصَل نَادُوۤكْ ؤشَيَّلتَ حَصَلْ شَاهَدْتَها بتَضْفُر ؤبِتَّبِّبْ
تَقِلَبْ النَّخَرة والحَنْقُوقَة ؤتْعَقِّبْ
تَعَرْفْ المُوۤص تَعَرْفْ البُوصْ والزُّمْبَارة واللانْدُوۤبْ
تَعَرْف الشَّلْخَة مَا شَالْ اللَّبَنْ يَا دُوۤبْ
حَصَلْ رَضُّوكْ بَعَدْ قَلَسُوكْ ؟
حَصَل حَجُّـوكْ ؤقالُوا ليۤكَ:
دِي الضَّبَحُوهَا دِي السَّلَخُوۤها
دِي الأكَلُوهَا دِي القَاوَالَة والوَرَّاد وَرَدْ مَا جَا
شِنُو الكُرَّادْ واللا أكَلْتَ يُوۤمْ كَدَّادْ
حَصَل صَارَعْتَ قُمْتَ حَكَلْتَ واللا رَمُوۤكْ
حَصَلْ سَاسَقْتَ بِالدّيۤدَابْ أوْعَاكْ مِنُّو بَسْ بِاللّيۤلْ
بِلِمْ الهَـامْ وأبْ دَفَّانْ ؤمَاهَو عَدِيـلْ
حَصَل نَقّبْتَ ضُقْل الشُّوۤكَة نُصّ اللّيۤلْ
حَصَلْ طَعَّمْتَ لَكْ جَبَّادَة بِى صَارْقيۤلْ
حَصَل آوْلِيۤدْ مَشِيۤت بالغَلَّة للضِّيۤفْ النَّزَلْ فِي الحِلَّة
ؤشِلْ شَاي الصَّبَاحْ "بَاجَقْلِي" بِىۤ البَرَّادْ
سَمَاحْتُو مَلانْ ؤكَانْ يِغْلِي
حَصَلْ فِي يُوۤم سِمِعْ حَبُّوۤبَة بِتْبَنِّنْ تَغِنِي عَلِى:
شَاهِي عَشَرَاتْ رَمَانِي ؤبِىۤ لَبَنْ كَرُّوتْ
شَاهِي عَشَرَات رَمَانِي والبِضُوقُو بِمُوتْ
شَاهِي عَشَرَاتْ رَمَانِي بِضَوي في الكُبَّاي
شَاهِي عَشَرَاتْ رَمَانِي ؤفِي كَبَابِي الشَّاي
شَاهِي عَشَرَاتْ رَمَانِي السُّكَّر أبْ لُوۤنِيۤنْ
شَاهِي عَشَرَاتْ رَمَانِي حَلاتُو بِيۤنْ زُوليۤنْ
شَاهِي عَشَرَاتْ رَمَانِي ؤفِي كَبَابِي الصِّينْ
حَصَلْ كُوۤرَكَتَ للمَطَرَة عَشَاكْ مُطَّالَة
فِي السَّيَالَة والوَعَرَة ؟
حَصَلْ بَرْبَحْتَ سَلَمِيَّة ؤخُوسْتَكْ سَمْحَة لِيۤهَا شَّرَا ؟
حَصَلْ حَللَّتْ يُوۤمْ تَقَرَة بِلا حِرْجِيۤمْ مِنْ النَّقَرَة
تَعَرْف الانْسكَاكْ آولِيۤدْ بِكُونْ بِى وِيۤنْ
تعرف التّبْ والمُسْلَب تعرف الهيـن
شني القِسّيۤبة والتُّرُّوبَة شني الحسكة وشني التَّنَكة
شِنِي الفِرَّة... وشني الفَّرة ؟ شني كتابة وشني الطُرَّة ؟
شني الصُّرّة وشني الصَّرّة
حصل خوّفت حُمْرة عِيۤن.. حصل قَلْفَطْتَ مَرَّة دَحِين ؟
شِنِي الجَّرَّة شِني الكَبْرة شِنِي الكِرَّة
شنو المُحْجَان شنو العِلِّيف شنو محجِّر مشارع القيۤف ؟
حَصَل صَعَّط سَمِن كرِّيفْ
حَصَل قَطْرَنْتَ للحَنْضَلْ مِنْ المُرْكَابْ
حَصَلْ ودَّرْ شَرَابْ البُوغَة بِىۤ الهُرَّابْ ؟
حَصَل آولِيۤدْ فِي مَرَّه املّيۤتْ بِىۤ عَصِيدَة للطَّقْطَاقْ
حَصَلْ فَفْرَجَتَ لِىۤ النَرْمَط حَصَلْ زَمْبرتَ بالمَطَّاقْ
حَصَلْ شِلْتَ الوَقَار فَرَّادِي حَصَل كَضَّبتْ يُوۤمْ جَاكْ فَاقْ
شني الفُوَّامة والبُرَّامَة والنّجامة والكجّامة والمدقاق ؟
شنو اب عَرَّاق شنو السطيح تعرف الشيح واب جلّيۤح ؟
تعرف المفحضة أم سيۤرين حصل شفت المَرِيد ؤمتين ؟
حَصَلْ جَرّيتْ لُبَانْ
واللا بْتَعْرِفْ المِرْتِينْ والمِرْسِينْ
حَصَل سَاهَرْتَ بالكِتْكِيۤتْ حَصَل لبُّولَك البِركِيتْ
حَصَل فِي مَرّه اتْنَهّفَتَ واتْنَخَّجَت وانْدَقِيۤتْ ؟
حَصَلْ فِي كُدُّكَة اتْدَفّيۤتْ
حَصَلْ سِيۤتْ لَكْ سَواقِي إبْلِيسْ لامِنْ صُوۤتْ بُكَاهَا يِعِيطْ
حَصَلْ غَدُّوك بِىۤ سَبَرُوقْ
ؤحَصَل قَالُولك إنُّو الكِيۤلْ عُقُبْ للكِيۤلْ بِجِيْبلُو فْرُوقْ
حَصَل سُوۤجَرْتَلْكْ يُوۤم كُورْ واللا حَوِيَّة بى قِدْ توۤر
حَصَلْ قِدْتَ أمْ صِوۤيتْ للنُّورْ
واللا لِبِس شِقَيَّانة واللا حَفَرت للمَطْمُور
حَصَل يُوۤمْ رَسّلّوكْ لِىۤ صُورْ واللا أكلْ مُلاحْ بَرْبُور
حَصَلْ آوْلِيۤد حَوِيۤت الحًوۤر واللا دَخَلْتَ ضَهَر التًّوۤرْ ؟
ؤقُولْ لِىۤ هَا الوِليۤد أسْمَعْ
حَصَل فِي يُوۤمْ شِرِبْتَ مِحَايَة مِنْ الشِّيۤخْ
واتْبَخَرّتَ وإنْتَ نَصِيحْ
حَصَلْ سِيۤتْلَكْ عَمَارة دَحِينْ ؟
قَرِيۤتْ... تَمْتَم أبْ ؤجَزَمْ
ؤحَالَكْ يُوۤتْ لامِن كَمَّلْ الشَّلْتُوتْ
وسِط حِيۤرانْ وإنْتَ تْجُوطْ
سَبِتْ سَبُّوتْ...أحَدْ نَبُّوتْ
حِفِظْ عَمَّ ... ؤقُمْ سَمَّعْ
ؤقُولْ لِىۤ هَا الوِلِيۤدْ أسْمَعْ مَا بِنْقُولْ كَلامْ شُفَّعْ
نِحْنَ عُمَدْ عَدِيلْ فِي كَلامْنَا نِتْرَبَّعْ
وأخِيۤرْ تَقْنَعْ
حَدِيثِي مَعَاكْ كَأنُّو أضَانَك آبْتَسْمَعْ
لأنِّي عَليۤك مِتْمَكِّكْ وأنَا والله جَدْ سُودَانِي
أيْ واللهِ مَا مْشَكِّكْ
ؤنِحْنَ أولادْ تَرَاجْمَة نْجَاضْ ؤمَاكَ لَدَانَا
وأحْسَنْ تِنْقَرِعْ آوْلِيدْ ؤصَدْرَكْ لِيۤهُو مَا تْفَكِّكْ
***
جَادْ كَرِيم مُحَمَّد مُحمّد أحْمْد أبُوزيد
التّرَاجمة – الغابة
من تراثنا: الكبوتة والطبق والبرش وسرير القنا
المحرر
النَّاطُورْ والمُرْكَابْ والدّونِيبْ والمُطَّالَة، وغيرها من المفردات التُّراثِية التي تشدُّ الناس إليها بخيوط من الشجن العميق، من بعض المفردات التي ضمنها شاعرنا جاد كريم محمد محمد نصَّه الشِّعْري هذا، والذي شارك به على شرف محاضرة عن تراث الجعليين بنادي المكفوفين بشندي، والتي أشرف عليها قسم التنوير والتثقيف بإدارة البحوث والتخطيط والتنمية، بجامعة السودان المفتوحة.


أيهما أقدم، الحضارة المصرية أم السودانية؟


د. سامية بشير دفع الله
العنوان أعلاه يشير للحضارتين المصرية الفرعونية ومعاصرتها السودانية، (ازدهرت الأولى خلال الفترة 3000 – 300 ق.م.). إن واحداً من الأسباب التي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع هو ما لحظته من ضعف إلمام بعض المثقفين بحقائق ومعلومات عامة لا تقبل الجدل. شهدت جدلاً في قاعات مرموقة في مدينة الخرطوم دار حول السؤال، " أيهما أقدم الحضارة المصرية أم السودانية؟ ". جادل المثقف أنه سمع من عالم آثار سويسري أن الحضارة السودانية أقدم وأعظم من المصرية. وقال آخر إن المصريين تعلموا أسس الحضارة من السودانيين. وحدثني البروفسير عبد القادر محمود عبد الله أنه سمع سودانياً من حملة الدكتوراه في حوار له بالتلفزيون يقول فيه: إن أهرامات البجراوية أقدم من أهرامات الجيزة؛ حجته التي اعتمد عليها ونصاً هي: " طبيعة الأشياء أنها يبدأ صغيرة" يعني أنه من المنطق أن الأشياء تبدأ صغيرة ثم تكبر، ما معناه، أن أهرامات البجراوية أصغر حجماً من أهرامات الجيزة فهي إذن الأقدم.".! كما أردف بأن الحضارة بدأت من الجنوب (يعني السودان)، إلى الشمال. قلت في نفسي إذا كان هذا هو حال بعض الأكاديميين فكيف يكون حال من هم دونهم من المثقفين؟.
منذ ذلك الوقت والكاتبة تفكر في نشر مقال تنويري مبسَّط عن مكانة الحضارة السودانية القديمة بالنسبة للحضارة المصرية الفرعونية. في الوقت ذاته حاولت الكاتبة أن تتعرف على الأسباب التي جعلت بعض السودانيين يتفاخرون بأنهم أصحاب الحضارة الأصليين وأن المصريين تعلموا منهم. هل هو مجرد إدّعاء أم أن وراءه بعض المبررات؟ .
في البداية هناك انتقاد مهم يوجه للسؤال نفسه وهو طريقة طرحه. إن مثل هذا السؤال يمكن قبوله والإجابة عليه في حال أن تكون الحضارات موضع السؤال بينها فروق زمنية كبيرة- أي غير معاصرة. كمقارنة المرء بين الحضارات الفرعونية، الهلنستية، الرومانية، الإسلامية الخ، فهذه تتابعت حسب الترتيب المذكور. أما المعاصرة، فإن الاهتمام سينصب على نقطة محددة وهي أيهما ظهرت أولاً؟.
إن الطريقة العلمية السليمة للإجابة على هذا السؤال(في العنوان)، تقتضي شرح لفظة حضارة وتحليلها . إن مفهوم الحضارة الذي يقصده طارحو هذا السؤال هو: تلك المرحلة من التطور التي دخل فيها الإنسان بعد خروجه من الحياة البدائية؛ المرحلة التي توصل خلالها لاكتشاف أربعة اكتشافات مهمة هي: إيقاد النار، صنع الأواني الفخارية، الزراعة، واستئناس الحيوان. يضاف لهذه العناصر المادية عناصر غير مادية مثل التنظيم الاجتماعي، (الأسرة، الحكومة، التنظيمات الكهنوتية الخ)، والكتابة والتَّدوين. هذه الاكتشافات تعتبر العتبة الأولى في درج الحضارة الذي ظل الإنسان يصعده بالتدريج.
إنجازات الإنسان المصري
إذا اخترنا مصر كنموذج لتدرج الإنسان في سلم الحضارة نجد الإنسان المصري بحلول الألف الثالثة قبل الميلاد قد أتقن بعض الصناعات الحجرية مستخدماً أدوات قطع شبه بدائية مصنوعة من النحاس، ثم صنعها من البرونز في مرحلة لاحقة، ثم خاض غمار البناء بالحجر، وبرع بخاصة في هذا المجال وحقق إنجازات كبرى في زمن الأسرتين الثالثة والرابعة اللتين شهدتا بناء الأهرامات في الجيزة ودهشور وسقارة. وصاحب ذلك بناء العديد من المعابد الضخمة من الحجر أيضاً. وشهدت الفترة نفسها ميلاد فن النحت على الجدر وفن صناعة ونحت التماثيل من أقسى أنواع الحجارة ، وفن الرسم الملون والزخرفة. أما التنظيمات الاجتماعية فاستمرت تتطور. وتبلور نظام الحكم وأخذ شكله الملكي الأوتوقراطي الوراثي (في الغالب)، الذي صبغ الحضارة المصرية الفرعونية إلى نهاية مراحلها . وتعاقبت العواصم الملكية في أبيدوس و ممفيس واللشت وطيبة، وتل العمارنة وغيرها، وعثر على آثارها المتمثلة في خرابات وأساسات من الطين اللبن. تطورت كذلك الكتابة وخطوطها وازدهر التدوين في شتى ضروب الأدب والعلوم والقوانين والتشريعات.
قبل أن ننتقل لوصف إنجازات إنسان السودان خلال الفترة نفسها، نلفت انتباه القارئ إلى حقيقة مهمة ستتضح له إذا أمعن النظر في الفقرتين السابقتين؛ ألا وهي أن الحضارة إنما هي مجموعة عناصر متشابكة، بعضها مادية وأخرى ذات طبيعة اجتماعية، فكرية أو روحية. وتتفاوت المجتمعات في القدر الذي تحققه من مجمل العناصر المكونة للحضارة. ورب مجتمع بسيط ينجح في تحقيق إنجاز معين لم يكن قد ظهر ضمن إنجازات مجتمع آخر شهد له بالسبق في مجالات أخرى.
إنجازات الإنسان السوداني
لعله من المناسب أن نطرح هنا السؤال :هل حقق الإنسان السوداني الإنجازات نفسها التي حققها الإنسان المصري والتي أوجزناها أعلاه؟ الإجابة نعم، حقق معظمها، ولكن لم يكن سابقاً بل لاحقاً للإنسان المصري. يستثنى من ذلك صناعة الفخار فهي إنجاز تحقق في السودان في وقت مبكر جداً، ربما في الألف الثامنة أو التاسعة قبل الميلاد. وهنا يمكن أن نتحدث عن سبق سوداني. يستثنى أيضاً البناء بالطوب المحروق الذي استعمله إنسان كرمة بتوسع لم يسبق له مثيل في كل وادي النيل. هذا السبق السوداني من كرمة ربما ذكره عالم الآثار السويسري لجماعة من السودانيين، فضُخِّم وحُرِّف إلى سبق حضاري شامل.
بناء الأصرح الحجرية: يعود تاريخ أقدم هرم سوداني (هرم بعانخي في الكرو)، لحوالي سنة 716 ق.م. معنى ذلك أنه بعد أهرامات الجيزة بما يقارب الألفي سنة. والملاحظة نفسها تنطبق على المعابد. وأغلب الظن أن كل المعابد الموجودة في السودان والمصممة على الطراز المصري بنيت بأيدي مصرية أو تحت إشراف مهندسين مصريين. أما فن النحت وصناعة التماثيل فأقدمه يؤرخ للفترة النبتية ابتداءً من الفرن السابع قبل الميلاد، وهو يحاكي النماذج المصرية. لكن الفن السوداني أخذ منحًى محلياً في الفترة المروية (300 ق.م. – 350 م). أما المدن فقد قام في السودان القديم ومنذ حضارة كرمة عدد من المدن ذات طابع مدني واضح، مثل كرمة، صنب أب دوم( عاصمة نبتة)، مروي، النقعة، قصر إبريم، كرنوغ، فرص وغيرها.
أما التنظيمات الاجتماعية من نظم حكم وغيره فقد تأثرت بالنظم المصرية إلى حد كبير. فيما يتعلق بهذا الجانب ظهر مقال في مجلة "النيو يورك تايمز الأمريكية"، عدد مارس 1979 كان عنوانه بالإنجليزية:
Nubian Monarchy Called oldest: by Boyce Rensberger
"
صورة للمقال الإنجليزي
أشار فيه الكاتب إلى اكتشافات أثرية في موقع سوداني قديم يسمى قسطل (الآن في النوبة المصرية) أجراها سنة 1963 خبراء أمريكان. المكتشفات عبارة عن مجموعة مدافن مميزة لم يعثر على مثيل لها من الفترة الزمنية ( حوالي سنة 3300 ق.م.) نفسها. عثر الخبراء في أحد هذه المدافن على مُبخر مصنوع من حجر نوبي (أي مصنوع محليـًّا وليس مستورداً) على سطحه رسومات منحوتة تشير إلى رموز الملكية المصرية الفرعونية. النظرية التي طرحها خبير الآثار الأمريكي هي أن السودانيين في قسطل كانوا يعرفون نظام الملك الذي ساد في مصر فيما بعد ، ومعنى ذلك أن الملكية السودانية أقدم من المصرية. تعتقد الكاتبة أن هذا المقال كان له أكبر الأثر على الأمريكان السود الذين كانوا يروجون لنظرية تقول إن أفريقيا هي منبع الحضارة. بل وحاولوا جاهدين أن يثبتوا أن قدماء المصريين من أصل أفريقي.
بعد بضعة عقود من اكتشافات قسطل اكتشف موقع في مصر أقدم زمناً منه تمثلت فيه رموز الملكية الفرعونية بشكل أكثر وضوحاً. أما ملوك قسطل فلم يهنأوا بأحلامهم وتطلعاتهم لأكثر من تسعة عقود من الزمان، حيث جاءت نهايتها سريعة على أيدي معتدين من شمال الوادي يمثلون ملوك الأسرة المصرية الأولى.
أما الكتابة في السودان فقد بدأت مع ملوك الفترة النبتية (ملوك كرمة قبلهم لم يستخدموا التدوين على الإطلاق) مستخدمين اللغة المصرية. في حوالى سنة 200 ق.م. اخترع السودانيون (المرويون) نظاماً لكتابة لغتهم. في مصر تم الحدث نفسه حوالى سنة 3400-3200 ق.م. معنى ذلك أن ما ذكره المؤرخ الإغريقي ديودور الصقلي أن المصريين تعلموا الكتابة من السودانيين هو تقرير خاطئ لا يعتد به العارفون. وتعتقد الكاتبة أن فريقاً من ذوي الأصول الأفريقية استغلوا مقولة هذا الكاتب للترويج لسبق حضارة أمة سوداء هي السودان القديم. لكن بالرغم من كل ذلك، للسودانيين أن يفخروا بتوصلهم لنظام لكتابة لغتهم حيث يصُنف السودان كثاني أمة في إفريقيا تمكنت من كتابة لغتها. ولهم أن يفخروا بحسبانهم من الأمم القليلة التي بلغت مدارج راقية من التحضر وبقيت آثارهم صامدة شاهدة على أمجادهم وإنجازاتهم. أما اقتباسهم لبعض عناصر الحضارة المصرية فهو أمر بديهي، فمصر هي الجارة الشمالية للسودان، وكانت مصدر إشعاع ثقافي لكل العالم المعروف آنذاك.
***
قصة قصيرة
الحَجَر الأجْوَف
د. محمد صالح عبد الرءوف محمد
جلس بعيداً يراقب من يحفرون القبر وكأنهم يمزقون جسده بمعاولهم ويحفرون في قلبه بقدر ما يغرسون المعاول في الأرض...يراقبهم من وراء بحر الدمع الطامي في جفونه...يراهم يهتزون مثل ظلال الأشجار الجافة المكسورة على سطح الماء...الحسرة تمزقه وتجعله فريسة بين أنياب القدر القاسي.
وقف الناس للصلاة...لم يكن هو على وضوء لكي يقف بين المصلين على جنازتها...كيف يصلي عليها وهو الذي صلى لها...ما سجد سجدة إلا وسأل الله قربها...كيف يصلِّي عليها صلاة بلا سجود؟ وهي ما زالت تملأ آفاق بصره وأعماق بصيرته... كيف يصلي عليها وصوتها الدافئ في أعماقه لا يزال يناجيه... بماذا يدعو اليوم... لقد جف الدعاء في لسانه...
جلس منهاراً على كومة صغيرة، ربما تكون قبراً لطفل ما، لم يعش مرارة الحياة مثله... تمنى أن لو كان ذلك الطفل... ما أتعس الأحياء وأسعد الأموات... جلس كبنيان هدّه زلزال من قاعدته فانكسرت أعمدته وتناثرت أجزاؤه... أمسك بقطعة صغيرة قربه... حسبها جزءاً من أوصال جسمه المنهار... وجدها حجراً أجوفاً يملأ قبضة يده ولكنه فقد كثيراً من وزنه بفعل التجويف والحفر المنتشرة على سطحه...جعل ينقره مثلما يفعل النادم بأسنانه... يطرقه وكأنه يستأذنه لكي يحتويه في جوفه.
سمع صوتاً يناديه... التفت يمنة ويسرة فلم ير أمامه غير المصلين وليس وراءه غير قبور الموتى...إنه صوت قريب يكاد يصل مرحلة الهمس...الأموات يتكلمون!!!.
بدأت الدهشة المتعطشة تجفف دموعه لكي تتضح الرؤية أكثر...ليس ثمة أحد من الأحياء غير المصلين... ولولا أن كان الوقت نهاراً، لما صمد لحظة فالأساطير والخرافات التي سمعها في طفولته، ما زالت تملأ المكان بالأشباح والأرواح.
الصوت!! نفس الصوت يتكرر وكأنه ينبعث من لسانه لقربه ولكن لا أحد...جعل يدور حول نفسه مثل الساقية، ولكن بلا نواح مسموع... ربما يكون وقع الحزن على إلهام جعله يفكر بصوت عال...لا... إنَّه يعرف صوته تماماً كما يعرف أصوات أصدقائه، بل كل أفراد القرية ويميزهم بأصواتهم من وراء الجدران... ليس هذا صوت واحد منهم... ربما تكون الأساطير التي تروى عن المقابر صادقة ...وربما يكون الأسى المفعم جعله يعيش حالة من الهذيان...اتسعت عيونه أكثر بعد أن امتصت الدهشة كل ما فيها..
وبدأ الخوف كالثعبان يدب متعرجاً في نفسه التي شغلها الحزن... طفولته ما عاشت حاضره فهي تثير غبار أساطيرها في زحمة الحاضر المرير... كيف شقَّت هذه الذكريات طريقها الآن لتخرج من وسط الزحام إلى السطح الدامي والألم الممض؟.
لقد استحالت حياته اللحظة إلى كتلة من الحاضر المخيف المرعب، تحرك بلا شعور نحو المصلِّين والحجر الأجوف في يده.
الصوت: لا تخف يا هذا... فأنا مصدر هذا الصوت الذي أقلقك... ارتعشت يده... وسرت الرعشة في جسده كله فلم تبق شعرة إلا وانتصبت واقفة مثل أشواك القنفذ وكأنها تزود عن نفسه... مرت لحظة لم ير فيها غير الحجر الأجوف فصار طويلاً يعلو مثل الهضاب وثقيلاً يضغط على يده ويحطم أصابعه...
- أنت!! أنت !! أنت حجر يتكلّم ؟!.
(قال في نفسه): ربما تكون روح إلهام تملأ تجاويف هذا الحجر مختبئة من ملاك الموت لتطوف حول جسدها الفاتن الذي عشقه كل من رآه... ربما تكون روحها مثلي أيضاً... أسيرة هذا العشق فقد تعشق الأرواح أجسادها كما تقول كاهنة معبد دلف في الميثولوجيا اليونانية... أو كما يقول المذهب الأورفي.
دعني أسمع همس روحها قبل أن تعلو في رحاب السماء.
(صاح بأعلى صوته): دعني أناجي هذه الرَّوح أيها الملاك الطاهر قبل أن تصعد بها!.
ارتمى على الأرض ومد يديه كأنه يسبح باسطاً جناحيه يعدو وراء الملاك امتزجت دموعه بالتراب الذي غطى صفحة وجهه ... تأوه آهة عميقة أثارت الأرض غباراً حوله بدأ يتكلم بصوت جريح...
آه لقد تذكرت لحظة وفاتها صحوت من النوم مذعوراً... كانت إلهام تطاردني لتأخذ مني شيئاً لا أذكره...رفضت ذلك بشدة ولأول مرة أعصي لها أمراً... كانت تلاحقني وتصر في طلبها... صحوت فجأة والبكاء والعويل يعلو في سماء قريتنا... آه... لقد أدركت ما كانت تطلبه.. كانت تريدني أن أذهب معها...تطلب مني أن نموت معــاً، فكما تحكي الأمهات: إنَّ من يأخذ منه الميت شيئاً في الرؤيا يعني ذلك أنه يموت ويلحق به...
(نهض قليلاً ووضع وجهه بين كفيه وارتفع صوته صائحاً).
: لماذا رفضت طلبها حينذاك... ليتني أعطيتها ما تريد لنموت معــًا...كنا سنرقد هنا متجاورين ويحتفل بنا الموتى ليلة زفافنا وكالعادة فإنَّ أمثالنا من الموتى في قريتنا يحملون إلى المقابر وعليهم جريد النخيل والخضاب والحرير... نزف لنقضي شهر العسل في باطن الأرض... يبدو أنها خير من ظاهرها... فالقبر قد يكون روضة من رياض الجنَّة...
الحجر: لا تغرق في هذيانك أيها الفتى... أصغ إليَّ لحظة... لقد ظللت أناديك منذ أن انفض الناس عن المقابر وأنت غارق في أحلامك.
....انفض الناس! وتركوني وحدي في المقابر؟! لا أصدِّق..كيف تم ذلك؟ وكيف مضى الزمن؟ لقد أخذت إلهام عقلي بدلاً من تأخذ روحي...(صاح باكياً)... أيها الحجر... لا تخاطبني.. عقلي سيعود..إلهام ! إلهام ! ردِّي عقلي أعش به بين الناس... لن أحيا بين الحجارة... ردّي عقلي يا إلهام!!.
( تحرَّك نحو قبرها... يجر رجليه ببطء وهو يوشك أن يقع من شدّة الإعياء... بكى وبكى والحجر ما زال بيده...سقطت قطرة من الدموع واستقرت في جوف الحجر).
الحجر: قل لي ماذا يبكيك أيها الفتى؟!.
حسن: هذه الفتاة التي دفنت قبل لحظات...
(نظر إليها... رآها في ثوب الزفاف تفتح نافذة القبر... تمد يدها ملوحة تحييه وتناديه.
إلهام: تعال.. تعال يا حسن.. بإمكاننا أن نسعد الآن بحبنا أكثر..تعال يا حسن... تعال أعطني بقايا روحي التي معك... تعال امنحني حياتي التي سلبتها... لم أمت يا حسن ولكنني حللت فيك.. لقد آثرت أن أنفصل عن جسدي لأبقى معك شيئاً واحداً... وهاأنذا في أعماقك نبضة وقيثارة...لا تقتل النغم.. أعزف على تلك الأوتار تسمع صوتي في أعماقك يغرد مثل الكروان...
لا تبك يا حسن فأنا في الأعماق أغني لك... أنا لست في هذا القبر.. وإنما أطل عليك من نافذة قلبك أنت... لقد كان الناس ينبشون الثرى ليواروا جسدي بينما كنت أنا أحفر في قلبك لأواري روحي... وكنت أشعر بأنك تتألم من نبش أظافري..
(حسن يقترب من القبر)
إلهام- لا تثقب القبر بنظراتك يا حسن..فإنه خالٍ إلا من جسد عاد إلى أصله وأهله من ذرَّات الأرض.. أما ذاتي فلا تبحث عنها إلا في أعماقك!.
حسن- أعماقي!!... تقصدين ذكرياتي... لقد فقدت ذاكرة شبابي.. لم تبق في داخلي إلا ذكريات الطفولة بأساطيرها وخرافاتها... لقد سطا الحزن على حاضري وسرقه بكل ما فيه من آمال...
سأجوب الفيافي والقفار... البوادي والحضر... بحثاً عن هذه الذاكرة المفقودة... لن أحيا حبـًا من جديد... وسأظل أسعى باحثـًا عن ذاكرتي بين الأطلال وذابل الزهر... وأعدو وراء أوراق الأشجار المتساقطة الزاحفة مع الريح.. وسيكون هذا الحجر الأجوف غطائي وكسائي...
الحجر: من قال لك إنني حجر فقد كذب..في الحقيقة أنا لست حجراً...تأمل صورتي جيّداً تراني قلباً متحجراً... لقد كنت أنبض بالحياة في يومٍ ما في جسد فتاة حسناء رقيقة مرهفة الإحساس عاشت مكبلة بقيود التقاليد البالية التي كانت تعصف بي وتنخر في جسمي كالسوس حتى صرت بهذه الصورة التي تراني عليها مثل جسم خالد بن الوليد لم يخل موضع من طعنة نجلاء....غطيت هذه الجروح بدمائي وأنا أصارع هذا المجتمع المتزمت المارد القاسي حتى تمزقت أحشائي وتحجَّرت عواطفي وتصلّبت شراييني...فعوامل التعرية في داخلنا تنهش فينا مثل ضربات الموج على جلمود الصخر حتى ينهار...هذه هي حقيقة الحياة.
***